السيد علي الحسيني الميلاني

227

تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات

والجذل المحكك ، وإنك لأعلى - من أن تلبس الحق بالباطل - قدراً ، وأرفع - من أن تكتم الحق - محلاً ، وأجل من ذلك شأناً ، وأبر وأطهر نفساً . أمرتني - أعزك اللّه - أن أرفع إليك سائر الموارد التي آثروا فيها رأيهم على الت عبد بالأوامر المقدسة ، فحسبك منها سرية أسامة بن زيد بن حارثة إلى غزو الروم ، وهي آخر السرايا على عهد النبي صلّى اللّه عليه وآله ، وقد اهتم فيها - بأبي وأُمي - اهتماماً عظيماً ، فأمر أصحابه بالتهيؤ لها ، وحضهم على ذلك ، ثم عبأهم بنفسه الزكية إرهاقاً لعزائمهم واستنهاضاً لهممهم ، فلم يبق أحداً من وجوه المهاجرين والأنصار كأبي بكر وعمر ( 1 ) وأبي عبيدة وسعد وأمثالهم ، إلاّ وقد عبأه بالجيش ( 2 ) ، وكان ذلك لأربع ليال بقين من صفر سنة احدى عشر للهجرة ، فلما كان من الغد دعا أسامة ، فقال له : سر إلى موضع قتل أبيك فأوطئهم الخيل ، فقد وليتك هذا الجيش فاغز صباحاً على أهل أبن ى ( 3 ) ، وحرّق عليهم ، وأسرع السير

--> ( 1 ) أجمع أهل السير والأخبار على أن أبا بكر وعمر رضي اللّه عنهم كانا في الجيش وأرسلوا ذلك في كتبهم إرسال المسلمات وهذا مما لم يختلفوا فيه . فراجع ما شئت من الكتب المشتملة على هذه السرية ، كطبقات ابن سعد ، وتاريخي الطبري وا بن الأثير ، والسيرة الحلبية ، والسيرة الدحلانية وغيرها . لتعلم ذلك ، وقد أورد الحلبي حيث ذكر هذه السرية في الجزء الثالث من سيرته ، حكاية ظريفة نوردها بعين لفظه ، قال : إن الخليفة المهدي لما دخل البصرة رأى أياس بن معاوية الذي يضرب به المثل في الذكاء وهو صبي ووراءه أربع مئة من العلماء وأصحاب الطيالسة فقال المهدي : أف لهذه العثانين - أي اللحى - أما كان فيهم شيخ يتقدمهم غير هذا الحدث ؟ ثم التفت إليه المهدي وقال : كم سنك يا فتى ؟ فقال : سني أطال اللّه بقاء أمير المؤمنين سن أُسامة بن زيد بن حارثة لما ولا ه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله جيشاً فيه أبو بكر وعمر ، فقال : تقدم بارك اللّه فيك ( قال الحلبي ) وكان سنه سبع عشرة سنة . انتهى . ( 2 ) كان عمر يقول لأسامة : مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وأنت عليّ أمير ، نقل عنه جماعة من الاعلام ، كالحلبي في سرية أسامة من سيرته الحلبية ، وغير واحد من المحدثين والمؤرخين . ( 3 ) ابن ى - بضم الهمزة وسكون الباء ثم نون مفتوحة بعدها ألف مقصورة - : ناحية بالبلقاء من أرض سوريا بين عسقلان والرملة ، وهي قرب مؤتة التي استشهد عندها زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب ذو الجناحين في الجنة عليه السلام .