السيد علي الحسيني الميلاني

213

تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات

وأما قولهم في تفسير قوله : حس بن ا كتاب اللّه : إنه تعالى قال : ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) ( 1 ) وقال عزّ من قائل : ( اليوم أكملت لكم دينكم ) ( 2 ) . فغير صحيح ، لأن الآيتين لا تفيدان الأمن من الضلال ، ولا تضمنان الهداية للناس ، فكيف يجوز ترك السعي في ذلك الكتاب اعتماداً عليهما ؟ ولو كان وجود القرآن العزيز موجباً للأمن من الضلال ، لما وقع في هذه الأُمة من الضلال والتفريق ، ما لا يرجى زواله ( 3 ) . وقالوا في الجواب الأخير : إن عمر لم يفهم من الحديث أن ذلك الكتاب سيكون سبباً لحفظ كلّ فرد من امّته من الضلال ، وإنما فهم أنه سيكون سبباً لعدم اجتماعهم - بعد كتابته - على الضلال ( قالوا ) وقد علم رضي اللّه عنه أن اجتماعهم على الضلال مما لا يكون أبداً ، كُتب ذلك الكتاب أو لم يكتب ، ولهذا عارض يومئذ تلك المعارضة . وفيه : مضافاً إلى ما أشرتم إليه : إن عمر لم يكن بهذا المقدار من البعد عن الفهم ، وما كان ليخفى عليه من هذا الحديث ما ظهر لجميع الناس ، لأن القروي

--> ( 1 ) سورة الأنعام : 38 . ( 2 ) سورة المائدة : 3 . ( 3 ) وأنت - نصر اللّه بك الحق - تعلم أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لم يقل : إن مرادي أن أكتب الأحكام ، حتى يقال في جوابه حس بن ا في فهمها كتاب اللّه تعالى : ولو فرض أن مراده كان كتابة الأحكام ، فلعل النص عليها منه كان سبباً للأمن من الضلال ، فلا وجه لترك السعي في ذلك النص اكتفاء بالقرآن ، بل لو لم يكن لذلك الكتاب إلاّ الأمن من الضلال بمجرده لما صح تركه والإعراض عنه ، إعتماداً على أن كتاب اللّه تعالى وإن كان جامعاً مانعاً ، لأن الاستنباط منه غير مقدور لكل أحد ، ولو كان الكتاب مغنياً عن بيان الرسول ما أمر اللّه تعالى ببيانه للناس إذ قال عز من قائل : ( وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للناس ما نزل إليهم ) .