أحمد بن حجر الهيتمي المكي

60

الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة

لكننا وجدنا السلف فضلوهم كذلك وحسن ظننا بهم قاض بأنهم لو لم يطلعوا على دليل في ذلك لما أطبقوا عليه فلزمنا اتباعهم فيه وتفويض ما هو الحق فيه إلى الله تعالى قال الآمدي وقد يراد بالتفضيل اختصاص أحد الشيخين عن الآخر إما بأصل فضيلة لا وجود لها في الآخر كالعالم والجاهل وإما بزيادة فيها لكونه أعلم مثلا وذلك أيضا غير مقطوع به فيما بين الصحابة إذ ما من فضيلة تبين اختصاصها بواحد منهم إلا ويمكن بيان مشاركة غيره له فيها وبتقدير عدم المشاركة فقد يمكن بيان اختصاص الآخر بفضيلة أخرى ولا سبيل إلى الترجيح بكثرة الفضائل لاحتمال أن تكون الفضيلة الواحدة أرجح من فضائل كثيرة إما لزيادة شرفها في نفسها أو لزيادة كميتها فلا جزم بالأفضلية لهذا المعنى أيضا وأيضا فحقيقة الفضل ما هو فضل عند الله وذلك لا يطلع عليه إلا بالوحي وقد ورد الثناء عليهم ولا يتحقق إدراك حقيقة ذلك الفضل عند عدم دليل قطعي متنا وسندا إلا المشاهدون لزمن الوحي وأحواله معهم لظهور القرائن الدالة على التفضيل حينئذ بخلاف من لم يشهد ذلك نعم وصل إلينا سمعيات أكدت عندنا الظن بذلك التفضيل على ذلك الترتيب لإفادتها له صريحا أو استنباطا وستأتي مبسوطة في الفضائل ويؤيد ما مر أنه لا يلزم من الإجماع على الأحقية بالخلافة من علي مع اختلافهم في أيهما أفضل وقد التبس هذا المقام على بعض من لا فطنة عنده فظن أن من قال من الأصوليين إن أفضلية أبي بكر إنما ثبتت بالظن لا بالقطع يدل على أن خلافته كذلك وليس كما زعم على أنهم كما صرحوا بذلك صرحوا معه بأن خلافته قطعية فكيف حينئذ يتأتى ما ظنه ذلك البعض هذا ولك أن تقول إن أفضلية أبي بكر ثبتت بالقطع حتى عند غير الأشعري أيضا بناء على معتقد الشيعة والرافضة وذلك لأنه ورد عن علي وهو معصوم عندهم والمعصوم لا يجوز عليه الكذب أن أبا بكر وعمر أفضل الأمة قال الذهبي ( 1 ) وقد تواتر ذلك عنه في خلافته وكرسي مملكته وبين الجم الغفير من شيعته ثم بسط الأسانيد الصحيحة في ذلك قال ويقال رواه عن علي نيف وثمانون نفسا وعدد منهم جماعة ثم قال فقبح الله الرافضة ما أجهلهم انتهى ومما يعضد ذلك ما في البخاري عنه أنه قال خير الناس بعد النبي أبو بكر ثم عمر رضي الله عنهما ثم رجل آخر فقال ابنه محمد ابن الحنفية ثم أنت فقال إنما أنا رجل من المسلمين وصحح الذهبي وغيره طرقا أخرى عن علي بذلك وفي بعضها ألا وإنه بلغني أن رجالا يفضلوني عليهما فمن وجدته فضلني عليهما فهو مفتر عليه ما على المفتري ألا ولو كنت تقدمت في ذلك لعاقبت ألا وإني أكره العقوبة قبل التقدم وأخرج الدارقطني عنه لا أجد أحدا فضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري ( 2 ) وصح عن مالك عن جعفر الصادق عن أبيه الباقر أن عليا

--> ( 1 ) قال الذهبي هذا متواتر عن علي وأخرج ابن عساكر نحوه عن عمر من قوله . ( 2 ) وأخرجه ابن عساكر أيضا .