أحمد بن حجر الهيتمي المكي

58

الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة

شك أن من اقتصر على عثمان ولم يعرف لعلي فضله فهو مذموم وزعم ابن عبد البر أن حديث الاقتصار على الثلاثة أبي بكر وعمرو وعثمان مخالف لقول أهل السنة إن عليا أفضل الناس بعد الثلاثة مردود بأنه لا يلزم من سكوتهم إذ ذاك عن تفضيله عدم تفضيله وأما حكاية أبي منصور البغدادي الإجماع على أفضلية عثمان على علي فمدخولة وإن نقل ذلك عن بعض الحفاظ وسكت عليه لما بيناه من الخلاف ثم الذي مال إليه أبو الحسن الأشعري إمام أهل السنة أن تفضيل أبي بكر على من بعده قطعي وخالفه القاضي أبو بكر الباقلاني فقال إنه ظني واختاره إمام الحرمين في الإرشاد وبه جزم صاحب المفهم في شرح مسلم ويؤيده قول ابن عبد البر في الاستيعاب ذكر عبد الرزاق عن معمر قال لو أن رجلا قال عمر أفضل من أبي بكر ما عنفته وكذلك لو قال علي عندي أفضل من أبي بكر وعمر لم أعنفه إذا ذكر فضل الشيخين وأحبهما وأثنى عليهما بما هما أهله فذكرت ذلك لوكيع فأعجبه أه واشتهاه وليس ملحظ عدم تعنيف قائل ذلك إلا أن التفضيل المذكور ظني لا قطعي ويؤيده أيضا ما حكاه الخطابي عن بعض مشايخه أنه كان يقول أبو بكر خير وعلي أفضل لكن قال بعضهم إن هذا تهافت من القول أي أنه لا معنى للخيرية إلا الأفضلية فإن أريد أن خيرية أبي بكر من بعض الوجوه وأفضلية علي من وجه آخر لم يكن ذلك من محل الخلاف ولم يكن الأمر في ذلك خاصا بأبي بكر وعلي بل أبو بكر وأبو عبيدة مثلا يقال فيهما ذلك فإن الأمانة التي في أبي عبيدة وخصه بها رسول الله لم يخص أبا بكر بمثلها فكان خيرا من أبي بكر من هذا الوجه والحاصل أن المفضول قد توجد فيه مزية بل مزايا لا توجد في الفاضل فإن أراد شيخ الخطابي ذلك وأن أبا بكر أفضل مطلقا إلا أن عليا وجدت فيه مزايا لم توجد في أبي بكر فكلامه صحيح وإلا فكلامه في غاية التهافت خلافا لمن انتصر له ووجهه بما لا يجدي بل لا يفهم فإن قلت ينافي ما قدمته من الإجماع على أفضلية أبي بكر قول ابن عبد البر إن السلف اختلفوا في تفضيل أبي بكر وعلي رضي الله عنهما وقوله أيضا قبل ذلك روي عن سلمان وأبي ذر والمقداد وخباب وجابر وأبي سعيد الخدري وزيد ابن أرقم أن عليا أول من أسلم وفضله هؤلاء على غيره أه قلت أما ما حكاه أولا من أن السلف اختلفوا في تفضيلهما فهو شيء غريب انفرد به عن غيره ممن هو أجل منه حفظا واطلاعا فلا يعول عليه فكيف والحاكي لإجماع الصحابة والتابعين على تفضيل أبي بكر وعمر وتقديمهما على سائر الصحابة جماعة من أكابر الأئمة منهم الشافعي رضي الله تعالى عنه كما حكاه عنه البيهقي وغيره وأن من اختلف منهم إنما اختلف في علي وعثمان وعلى التنزل في أنه حفظ ما لم يحفظ غيره فيجاب عنه بأن الأئمة إنما أعرضوا عن هذه المقالة لشذوذها ذهابا إلى أن شذوذ المخالف لا يقدح فيه أو رأوا أنها حادثة بعد انعقاد الإجماع فكانت في حيز الطرح والرد على أن المفهوم من كلام ابن عبد البر أن الإجماع استقر على تفضيل الشيخين على الختنين وأما ما وقع في طبقات ابن السبكي الكبرى عن بعض المتأخرين من تفضيل الحسنين من حيث