أحمد بن حجر الهيتمي المكي
50
الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة
والحديث وسببه يبينان ذلك البعض لما مر أنه قاله لعلي حين استخلفه فقال علي كما في الصحيح أتخلفني في النساء والصبيان كأنه استنقص تركه وراءه فقال له ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى يعني حيث استخلفه عند توجهه إلى الطور إذ قال اخلفني في قومي وأصلح وأيضا فاستخلافه على المدينة لا يستلزم أولويته بالخلافة بعده من كل معاصريه افتراضا ولا ندبا بل كونه أهلا لها في الجملة وبه نقول وقد استخلف في مرار أخرى غير علي كابن أم مكتوم ولم يلزم منه بسبب ذلك أنه أولى بالخلافة بعده ( 1 ) الشبهة الثالثة عشرة زعموا أيضا أن من النصوص التفصيلية الدالة على خلافة علي قوله لعلي أنت أخي ووصيي وخليفتي وقاضي ديني أي بكسر الدال وقوله أنت سيد المسلمين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين وقوله سلموا على علي بإمرة الناس وجوابها مر مبسوطا قبيل الفصل الخامس ومنه أن هذه الأحاديث كذب باطلة موضوعة مفتراة عليه ألا لعنة الله على الكاذبين ولم يقل أحد من أئمة الحديث أن شيئا من هذه الأكاذيب بلغ مبلغ الآحاد المطعون فيها بل كلهم مجمعون على أنها محض كذب وافتراء فإن زعم هؤلاء الجهلة الكذبة على الله ورسوله وعلى أئمة الإسلام ومصابيح الظلام أن هذه الأحاديث صحت عندهم قلنا لهم هذا محال في العادة إذ كيف تتفردون بعلم صحة تلك مع أنكم لم تتصفوا قط برواية ولا صحبة محدث ويجهل ذلك مهرة الحديث وسباقه الذين أفنوا أعمارهم في الأسفار البعيدة لتحصيله وبذلوا جهدهم في طلبه وفي السعي إلى كل من ظنوا عنده شيئا منه حتى جمعوا الأحاديث ونقبوا عنها وعلموا صحيحها من سقيمها ودونوها في كتبهم على غاية من الاستيعاب ونهاية من التحرير وكيف والأحاديث الموضوعة جاوزت مئات الألوف وهم مع ذلك يعرفون واضع كل حديث منها وسبب وضعه الحامل لواضعه على الكذب والافتراء على نبيه فجزاهم الله خير الجزاء وأكمله إذ لولا حسن صنيعهم هذا لاستولى المبطلون والمتمردة على المفسدون الدين وغيروا معالمه وخلطوا الحق بكذبهم حتى لم يتميز عنه فضلوا وأضلوا ضلالا مبينا لكن لما حفظ الله على نبيه شريعته من الزيغ والتبديل بل والتحريف وجعل من أكابر أمته في كل عصر طائفة على الحق لا يضرهم من خذلهم لم يبال الدين بهؤلاء الكذبة المبطلة الجهلة ومن ثم قال تركتكم على الواضحة البيضاء ليلها كنهارها ونهارها كليلها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ومن عجيب أمر هؤلاء الجهلة أنا إذا استدللنا عليهم بالأحاديث الصحيحة الدالة صريحا على خلافة أبي بكر
--> ( 1 ) لا يصير اسم الجنس المضاف إلى العلم عاما عند كل الأصوليين بل صرحوا أنه يكون للعهد في نحو غلام زيد واستخلاف هارون مقيد بالغيبة وهو قريبة للعهد لأنه لا يكون بعدها وليس الاستثناء المنقطع دليلا على عموم المستثنى منه وهو هنا منقطع لأنهما نقيضان وإرادة العموم في المنازل لا الأزمان لا يصح للزوم الكذب في الخبر .