أحمد بن حجر الهيتمي المكي
220
الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة
استعمل معاوية عمر وعثمان رضي الله عنهم وكفاه ذلك شرفا وذلك أن أبا بكر رضي الله عنه لما بعث الجيوش إلى الشام سار معاوية مع أخيه يزيد بن أبي سفيان فلما مات أخوه يزيد استخلفه على دمشق فأقره ثم أقره عمر ثم عثمان وجمع له الشام كله فأقام أميرا عشرين سنة وخليفة عشرين سنة قال كعب الأحبار لم يملك أحد هذه الأمة ما ملك معاوية قال الذهبي توفي كعب قبل أن يستخلف معاوية وصدق كعب فيما نقله فإن معاوية بقي خليفة عشرين سنة لا ينازعه أحد الأمر في الأرض بخلاف غيره ممن بعده فإنه كان لهم مخالف وخرج عن أمرهم بعض الممالك انتهى وفي إخبار كعب بذلك قبل استخلاف معاوية دليل على أن خلافته منصوص عليها في بعض كتب الله المنزلة فإن كعبا كان حبرها فله من الاطلاع عليها والإحاطة بأحكامها ما فاق سائر أحبار أهل الكتاب وفي هذا من التقوية لشرف معاوية وحقية خلافته بعد نزول الحسن له ما لا يخفى وكان نزوله له عنها واستقراره فيها من ربيع الآخر أوجمادى الأولى سنة إحدى وأربعين فسمي هذا العام عام الجماعة لاجتماع الأمة فيه على خليفة واحد ( 1 ) . اعلم أن أهل السنة اختلفوا في تكفير يزيد بن معاوية وولي عهده من بعده فقالت طائفة إنه كافر لقول سبط ابن الجوزي وغيره المشهور أنه لما جاء رأس الحسين رضي الله عنه جمع أهل الشام وجعل ينكت رأسه بالخيزران وينشد ابيات ابن الزبعرى : * ليت أشياخي ببدر شهدوا * الأبيات المعروفة وزاد فيها بيتين مشتملين على صريح الكفر وقال ابن الجوزي فيما حكاه سبطه عنه ليس العجب من قتال ابن زياد للحسين وإنما العجب من خذلان يزيد وضربه بالقضيب ثنايا الحسين وحمله آل رسول الله سبايا على أقتاب الجمال وذكر أشياء من قبيح ما اشتهر عنه ورده الرأس إلى المدينة وقد تغيرت ريحه ثم قال وما كان مقصوده إلا الفضيحة وإظهار الرأس أفيجوز أن يفعل هذا بالخوارج ليس بإجماع المسلمين أن الخوارج والبغاة يكفنون ويصلى عليهم ويدفنون ولو لم يكن في قلبه أحقاد جاهلية وأضغان بدرية لاحترم الرأس لما وصل إليه وكفنه ودفنه وأحسن إلى آل رسول الله انتهى وقالت طائفة ليس بكافر فإن الأسباب الموجبة للكفر لم يثبت عندنا منها شيء والأصل بقاؤه على إسلامه حتى يعلم ما يخرجه عنه وما سبق أنه المشهور يعارضه ما حكي أن يزيد لما وصل إليه رأس الحسين قال رحمك الله يا حسين لقد قتلك رجل لم يعرف حق الأرحام وتنكر لابن زياد وقال
--> ( 1 ) قال أبو بكر بن العربي في العواصم عند الكلام على حديث الخلافة ثلاثون . وهذا حديث لا يصح ولو صح فهو معارض ثم قال : فان قيل ألم يكن في الصحابة أقعد بالأمر من معاوية . قلنا كثير ولكن معاوية اجتمعت فيه خصال وهي أن عمر جمع له الشامات كلها وأفرده بها لما رأي من حسن سيرته وقيامه بحماية البيضة وسد الثغور وإصلاح الجند والظهور على العدو وسياسة الخلق . وقد شهد له في صحيح الحديث بالفقه وشهد بخلافته في حديث أم حرام أن ناسا من أمته يركبون ثبج البحر الأخضر ملوكا على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة . وكان ذلك في ولايته .