أحمد بن حجر الهيتمي المكي
218
الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة
صلّى الله عليه وسلّم لا يرجوا إلا الأمر الحق الموافق للواقع بترجيه الإصلاح من الحسن يدل على صحة نزوله لمعاوية عن الخلافة وإلا لو كان الحسن باقيا على خلافته بعد نزوله عنها لم يقع ينزوله إصلاح ولم يحمد الحسن على ذلك ولم يترج مجرد النزول من غير أن يترتب عليه فائدته الشرعية ووجوب طاعته على الكافة وهي استقلال المنزول له بالأمر وصحة خلافته ونفاذ تصرفه ووجوب طاعته على الكافة وقيامه بأمور المسلمين فكان ترجيه لوقوع الإصلاح بين أولئك الفئتين العظيمتين من المسلمين بالحسن فيه دلالة أي دلالة على صحة ما فعله الحسن وعلى أنه مختار فيه وعلى أن تلك الفوائد الشرعية وهي صحة خلافة معاوية وقيامه بأمور المسلمين وتصرفه فيها بسائر ما تقتضيه الخلافة مترتبة على ذلك الصلح فالحق ثبوت الخلافة لمعاوية من حينئذ وأنه بعد ذلك خليفة حق وإمام صدق كيف وقد أخرج الترمذي وحسنه عن عبد الرحمن بن أبي عميرة الصحابي عن النبي أنه قال لمعاوية اللهم اجعله هاديا مهديا وأخرج أحمد في مسنده عن العرباض بن سارية سمعت رسول الله يقول اللهم علم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف والطبراني في الكبير عن عبد الملك ابن عمير قال قال معاوية ما زلت أطمع في الخلافة منذ قال لي رسول الله يا معاوية إذا ملكت فأحسن ( 1 ) . فتأمل دعاء النبي له في الحديث الأول بأن الله يجعله هاديا مهديا والحديث حسن كما علمت فهو مما يحتج به على فضل معاوية وأنه لا ذم يلحقه بتلك الحروب لما علمت أنها كانت مبنية على اجتهاد وأنه لم يكن له إلا أجر واحد لأن المجتهد إذا أخطأ لا ملام عليه ولا ذم يلحقه بسبب ذلك لأنه معذور ولذا كتب له أجر ومما يدل لفضله أيضا الدعاء في الحديث الثاني بأن يعلم ذلك ويوقى العذاب ولا شك أن دعاءه مستجاب فعلمنا منه أنه لا عقاب على معاوية فيما فعل من تلك الحروب بل له الأجر كما تقرر وقد سمى النبي فئته المسلمين وساواهم بفئة الحسن في وصف الإسلام فدل على بقاء حرمة الإسلام للفريقين وأنهم لم يخرجوا بتلك الحروب عن الإسلام وأنهم فيه علىحد سواء فلا فسق ولا نقص يلحق أحدهما لما قررناه من أن كلا منهما متأول تأويلا غير قطعي البطلان وفئة
--> ( 1 ) قال ابن راهويه لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل معاوية بن أبي سفيان شيء وقال السيوطي أصح ما ورد في فضل معاوية رضي الله عنه حديث ابن عباس أنه كان كاتب النبي صلى الله عليه وسلم فقد أخرجه مسلم في صحيحه وبعده حديث العرباض : اللهم علمه الكتابة . وبعده حديث بن أبي عميرة . اللهم اجعله هاديا مهديا . ذكر ذلك ابن عراق في تنزيه الشريعة . وقال السيوطي في تاريخ الخلفاء . وقد ورد في فضله أحاديث قلما تثبت . وأما حديث إذا ملكت فأحسن فرواه صنف ابن أبي عاصم في مناقبه جزءا وكذلك أبو عمر غلام ثعلب وأبو بكر النقاش . وبقية القول سنبسطه في التعليق على كتاب تطبير الجنان فإنه به أليق .