أحمد بن حجر الهيتمي المكي

210

الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة

سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما الفتح 29 فانظر إلى عظيم ما اشتملت عليه هذه الآية فإن قوله تعالى محمد رسول الله جملة مبينة للمشهود به في قوله هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق إلى قوله شهيدا الفتح 28 ففيها ثناء عظيم على رسوله ثم ثنى بالثناء على أصحابه بقوله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم كما قال تعالى فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم المائدة 54 فوصفهم الله تعالى بالشدة والغلظة على الكفار وبالرحمة والبر والعطف على المؤمنين والذلة والخضوع لهم ثم أثنى عليهم بكثرة الأعمال مع الإخلاص التام وسعة الرجاء في فضل الله ورحمته بابتغائهم فضله ورضوانه وبأن آثار ذلكالإخلاص وغيره من أعمالهم الصالحة ظهرت على وجوههم حتى إن من نظر إليهم بهره حسن سمتهم وهديهم ومن ثم قال مالك رضي الله تعالى عنه بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة الذين فتحوا الشام قالوا والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا وقد صدقوا في ذلك فإن هذه الأمة المحمدية خصوصا الصحابة لم يزل ذكرهم معظما في الكتب كما قال الله تعالى في هذه الآية ذلك مثلهم أي وصفهم في التوراة ومثلهم أي وصفهم يف الإنجيل كزرع أخرج شطأه أي فراخه فآزره أي شده وقواه فاستغلظ أي شب فطال فكذلك أصحاب محمد آزروه وأيدوه ونصروه فهم معه كالشطء مع الزرع ليغيظ بهم الكفار ومن هذه الآية أخذ الإمام مالك في رواية عنه بكفر الروافض الذين يبغضون الصحابة قال لأن الصحابة يغيظونهم ومن غاظه الصحابة فهو كافر وهو مأخذ حسن يشهد له ظاهر الآية ومن ثم وافقه الشافعي رضي الله تعالى عنهما في قوله بكفرهم ووافقه أيضا جماعه من الأئمة والأحاديث في فضل الصحابة كثيرة وقد قدمنا معظمها في أول هذا الكتاب ويكفيهم شرفا أي شرف ثناء الله عليهم في تلك الآيات كما ذكرناه وفي غيرها ورضاه عنهم وأنه تعالى وعدهم جميعهم لا بعضهم إذ من في منهم لبيان الجنس لا للتبعيض مغفرة وأجرا عظيما ووعد الله صدق وحق لا يتخلف ولا يخلف لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم فعلم أن جميع ما قدمناه من الآيات هنا ومن الأحاديث الكثيرة الشهيرة في المقدمة يقتضي القطع بتعديلهم ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله له إلى تعديل أحد من الخلق على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من