السيد محمد بحر العلوم
351
بلغة الفقيه
وأما تقدمها عليه على بقية الأقوال في كيفية اعتبارهما ، فلأنه لما لم ينفك مورد ( اليد ) غالبا من استصحاب مخالف لها في الاقتضاء ، كان اعتبارها لولا التقدم لغوا وحمل الأخبار الكثيرة على فرض مورد نادر يمكن فيه التفكيك بينهما كما لو علم دخول المباح أما في ملك زيد أو عمرو دون غيرهما وشاهدناه في يد أحدهما ، فاستصحاب عدم الملك بالنسبة إلى من هو في يده معارض بمثله في الآخر ، وبعد التساقط يحكم به باليد لصاحبها ، بعيد عن الصواب . هذا ويظهر من بعض إلغاء اليد في صورة التداعي بتقديم الاستصحاب عليها ، وهو ليس يجيد إلا في صورة ما لو اعترف ذو اليد بسبق يد المدعي أو ملكه ، فيطالب هو بالبينة ، لأن اعترافه بذلك متضمن لدعوى انتقاله منه إليه ، فيكون ، مدعيا يطالب بالبينة . وبالجملة : ذو اليد إن لم يعترف بسبق الملك لأحد أو اعترف ، ولكن لغير من يدعى عليه من غيبته ، بل وحضوره مع سكوته ، قدم قول ذي اليد . ولا كذلك لو اعترف به له لما عرفت من تضمن اعترافه له دعوى الانتقال منه إليه فتلغو يده وبطالب بالبينة . بل ويحتمل أن يكون مثله في لغوية اليد ومطالبته البينة ما لو اعترف لغيره ممن لو تم له لكان للمدعي ، لأنه يمت به ، كما لو اعترف به لمورثه مثلا فإن الاعتراف بسبق الملك له كالاعتراف بسبق الملك لنفس المدعي وبعبارة أخرى : فرق في الاعتراف لغير المدعي بين من كان ملك المدعي في طول ملك المعترف له أو في عرضه في لغوية اليد في الأول ، وعدمها في الثاني . ولعله بذلك يتشبث الخصم لتصحيح مطالبة ( الأول ) للبينة من ذي اليد في ( حديث فدك ) ( 1 ) بعد اعترافه بالنحلة من رسول الله صلى الله عليه وآله
--> ( 1 ) المقصود ب ( الأول ) : هو أبو بكر بن أبي قحافة التيمي ( رضي الله عنه ) . والمقصود بذي اليد هي فاطمة الزهراء بنت محمد صلى الله عليه وآله حيث كانت صاحبة اليد في فدك تصرف فيها بعد أن نحلها إياها أبوها النبي صلى الله عليه وآله أيام حياته وكانت ( خالصة له ) لأنها مما لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب وفدك كما عن ياقوت الحموي في معجم البلدان قرية بينها وبين المدينة ثلاثة أيام " وبها عين فوارة ونخل كثير " . قال البلاذري في ( فتوح البلدان ) : ومثله غيره من المؤرخين : لما فتح رسول الله صلى الله عليه وآله خبير ، ولم يبق غير ثلاثة حصون خاف اليهود خوفا شديدا ، فصالحوا النبي صلى الله عليه وآله على الجلاء وحقن الدماء ، فقبل النبي منهم ، ولما بلغ أهل فدك ذلك أرسل رئيسهم ( يوشع بن نون ) اليهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بالصلح على أن يعطيه فدك ، ويؤمنه وقومه وعلى أن يعمل بها في نخيلها بأن يكون لهم نصف التمر ، ثم إن شاء رسول الله أبقاهم وإن شاء أجلاهم ، فرضى صلى الله عليه وآله . وكانت فدك خالصة لرسول الله صلى الله عليه وآله لأنها مما أفاء الله بها على رسوله حيث لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب : ومثل ذلك في شرح النهج لابن أبي الحديد المعتزلي بعنوان : ما ورد من السير والأخبار في أمر فدك . وفي نفس المصدر وغيره من مصادر التأريخ : إن فاطمة ( ع ) قالت لأبي بكر أن فدك وهبها لي رسول الله صلى الله عليه وآله ، قال : فمن يشهد بذلك ؟ فجاء علي بن أبي طالب فشهد ، وجاءت أم أيمن فشهدت أيضا ، فجاء عمر بن الخطاب وعبد الرحمن ابن عوف فشهدا أن رسول الله كان يقسمها . قال أبو بكر : صدقت يابنة رسول الله وصدق على وصدقت أم أيمن وصدق عمر وصدق عبد الرحمان ابن عوف . . قال ابن أبي الحديد ومثله غيره : طالبته أولا بالنحلة ، ولما منعت منها طالبت ضرورة بالميراث لأن للمدفوع عن حقه أن يتوصل إلى تناوله بكل وجه وسبب ، فقال أبو بكر بعد أن احتجت عليه الزهراء بتلك الخطبة البليغة : يا خير النساء وابنة خير الأنبياء ، والله ما عدوت رأي رسول الله صلى الله عليه وآله ولا عملت إلا بإذنه ، وإن الرائد لا يكذب أهله وإني أشهد الله وكفى بالله شهيدا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : إنا معاشر الأنبياء لا نورث ذهبا ولا فضة ولا دارا ولا عقارا وإنما نورث الكتاب والحكمة والعلم والنبوة . هذا بإيجاز وللتفصيل عن موضوع فدك يراجع ما كتبناه في تعليقنا على الجزء الثالث من ( تلخيص الشافي ) .