الشهيد الثاني

763

رسائل الشهيد الثاني ( ط . ج )

الحافظ هو مراعاته لا نفسُه . بل السرّ فيه أنّ الخطأ قد يقع في المراعاة أيضاً ، وأنّه قد يكون من حيث الصورة وقد يكون من جِهة المادّة . والمنطق لو سُلَّم أنّه عاصم فلا يعصم إلا من الخَلَل الواقع من جهة الصورة ، لا ما يقع من حيث المادّة ، كما لا يخفى على من له علم بحاله . وأيضاً لانسلَّم أنّ وقوع الخطأ وعدمَ كفاية الفطرة يستلزمان الاحتياجَ إلى تعلَّمه ، بل اللازم هو الاحتياج إلى مميّز ، وهو أعمّ منه ؛ إذ قد يحصل التمييز من المعلَّم ، كما يشاهَد أنّ كثيراً ما يغلط الإنسان في فكره ، فإذا عرضه على غيره ينبّهه ويشير إلى موضع خطئه فلا تقريب . وناهيك بهذا دليلاً على عدم فائدته ؛ إذ لو كان له نفع ، لما صدر مثل هذا الخطأ العظيم منهم في استدلالهم هذا على وجوب تعلَّمه مع كمال اهتمامهم به واجتماعهم عليه . وبالجملة ، لو سُلَّم فائدته فهي اكتساب تصوّرٍ أو تحصيلُ تصديق ، وأنت تعلم أنّ الأوّل إمّا كلَّه بديهي أو بعضُه ، وعلى الأوّل لا حاجة إلى القسم الأوّل منه ، وهو مباحث التصوّرات التي يهرم فيها الكبيرُ ويشيب منها الصغير . وعلى التقدير الثاني يجب على المستدلّ أن يُثبت أوّلاً أنّ بعض التصوّرات الواجبَ علينا اكتسابُه نظري ولا يمكن حصوله إلا بتعلَّمه ؛ إذ بدونه لا يلزم تعلَّمه ؛ لجواز أنْ تكون جميع التصوّرات التي يجب علينا تحصيلُها في المسائل الشرعيّة والحكْميّة من القسم الأوّل البديهي . وأمّا التصديق ، فإنْ كان كلَّه بديهياً ، فكذلك لا حاجة لنا إلى تعلَّمه أصلاً .