الشهيد الثاني

718

رسائل الشهيد الثاني ( ط . ج )

وبالجملة فلا بدّ من القول بخروج هذا بالاتّفاق عليه ، أو بالقول الثالث وهما متقاربان في المعنى . والله أعلم . [ المبحث ] الخامس « الرحمن الرحيم » والكلام فيهما في موضعَيْن : الأوّل : هل هما اسمان أو صفتان . الأكثر على الثاني ، وأنّ أصلهما الذي اشْتُقّا منه واحد ، وله ثلاث لغات : رَحِم ورَحَم ورَحُم ، وهي في اللغة عبارة عن رقّة القلب والتعطَّف المقتضي للإحسان ، هكذا ذكره الجوهري . « 1 » وعلى هذا فإطلاق الاسمين عليه تعالى بضربٍ من التجوّز ؛ لأنّه متعالٍ عن الوصف بالرقّة « 2 » ؛ لأنّها من لوازم الأجسام ، لكن لمّا كان الإحسان مسبّباً عن الرقّة أو غايةً لها أُطلق ذلك عليه تعالى مجازاً بهاتَيْن الجهتَيْن ، وهما من مشاهير أنواع المجاز « 3 » . وعلى هذا يُحْمَلُ باقي أسماء صفاته الموهمة للجسميّة ، كاليدِ والعينِ

--> « 1 » « الصحاح » ج 5 ، ص 1929 ، « رحم » . « 2 » في « نهج البلاغة » ص 258 ، الخطبة 179 : « رحيم لا يُوصَفُ بالرقّة » . « 3 » قال الراغب في « المفردات » ص 170 ، « رحم » : الرحمةُ رقّة تقتضي الإحسانَ إلى المرحوم ، وقد تستعمل تارةً في الرقّة المجرّدة وتارةً في الإحسان المجرّد عن الرقّة نحو رحم الله فلاناً . وإذا وصف به البارئ فليس يراد به إلا الإحسان المجرّد دون الرقّة » . وعلى هذا فلا تجوّزَ ؛ بل في « أمالي المرتضى » ج 1 ، ص 52 ، المجلس 6 : « إمّا الرحمة فليست رقّة القلب كما ظنّه السائل ؛ لكنّه فعل النعم والإحسان ، يدلّ على ذلك أنّ مَن أحسن إلى غيره وأنعم عليه يوصف بأنّه رحيم به وإن لم تعلم منه رقّةُ قلبٍ عليه ؛ بل وصفُهم بالرحمة مَن لا يعهدون منه رقّةَ قلبٍ أقوى من وصفهم الرقيقَ القلب بذلك وقد وَصَف الله تعالى القرآنَ بأنّه هدًى ورحمة من حيث كانت نعمةً ولا يتأتّى في القرآن ما ظنّوه . وإنّما وُصفت رقّة القلب بأنّها رحمة ؛ لأنّها ممّا تجاوره الرحمة التي هي النعمة في الأكثر » .