الشهيد الثاني
820
رسائل الشهيد الثاني ( ط . ج )
الدائمُ أُكلُها ، الخاليةُ عن شَوْب « 1 » الأكدارِ والنقائصِ ، والهمّ والغمّ ، والحرّ والبردِ ، وغير ذلك من المنافيات فهي سرور لا غمّ معه ، وبقاء لا فَناءَ معه . ولذّة لا ألَمَ معها ، وغِنى لا فقر معه ، وكمال لا نُقصانَ معه ، وعِزّ لا ذُلّ معه . وبالجملة ، كُلّ ما يطلبه الطالب أو يَتَصوّرُ طَلَبَه فهو حاصل فيها ، وكلّ ما يهرب منه ويُريدُ البُعد عنه فهو منفيّ عنها ؛ وحيث كان البذر هو الطاعات والمعارف ، فمحلّ البذر وأرضه هو النفس الإنسانيّة ، وتكليفها بهذه العبادات بمنزلة تقليب الأرض وإعدادها للزراعة وسياقة الماء إليها . والنفسُ المستَغْرِقَةُ بحبّ الدنيا والميل إليها كالأرضِ السبْخَةِ التي لا تقبل الزرعَ والإنبات بمخالَطَةِ الأجزاء المِلْحِيّة ، ويوم القيامة يوم الحَصاد ، ولا حَصادَ إلا مِن زرعٍ ، ولا زرعَ إلا مِن بذرٍ . وكما لا ينفع البذر في أرضٍ سَبْخَةٍ كذلك لا ينفع إيمان ولا عمل مع خُبث النفس وسوء الأخلاق . وينبغي للعاقل إذا أراد أنْ يرجو ثواب الله تعالى في الآخِرة أنْ يقيسَ رجاءه لذلك برجاء صاحب الزرع ؛ لأنّ النبيّ صلَّى الله عليه وآله وسلم جعل الدنيا مزرعة الآخِرة بهذا المعنى . فكما أنّ من طَلَبَ أرضاً طيّبةً وبَذَرَها في وقت الزراعة بذراً غير متعفّنٍ ولا متأكَّل ، ثمَّ أمدّه بالماء العَذْبِ ، وسائر ما يحتاج إليه في أوقاته ، ثمّ طهّره عن مخالَطَةِ ما يمنع نباته من شَوكٍ ونحوه ، ثمّ انتظر من فضل الله رَفْعَ الصواعِقِ
--> « 1 » « الشوب : ما اختلط بغيره من الأشياء » ( « المعجم الوسيط » ص 499 ، « شاب » ) .