الشهيد الثاني
792
رسائل الشهيد الثاني ( ط . ج )
الباب الثاني عشر : فيه موعظة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر « 1 » أقول : من آمن باللَّه فليتّق الله من الجدال والخلاف ، فإنّ الخصوماتِ تُفسد النيّة وتَمحق الدين . فاعلم أنّه يجب على كلّ مكلَّفٍ أنْ يسعى في تحصيل معرفة ما كلَّف به : إمّا بطريق الاستدلال ، وهو المسمّى بالاجتهاد . وامّا بطريق السؤال ، وهو كما قال الله سبحانه * ( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) * « 2 » . ومن لم يكن أهلاً للأوّل فليكن طالباً لتحصيل من هو أهل له . وإذا سمع مَن يدّعي الاجتهاد وهو جالس بملأٍ من الناس يستفتون منه فإنّه يصحّ له الأخذ والاستفتاء منه بمجرّد مشاهدة هذه الحالة المذكورة . وإن كان من أهل العلم والتمييز ، فلا بأس بالمباحثة اللطيفة المُطْلعة على حاله . ولا يتوهّم أنّ المجتهد لمّا كان نائباً للإمام عليه السّلام ، فلا بدّ أنْ يكون ممّن له شرف ونسب وجاه قياساً على نائب سلاطين الدنيا ؛ إذا القياس باطل ، وهذا وهم فاسد لا أصل له في الشريعة ؛ لأنّه لو اجتهد عبد قنّ ، لا ينعتق وتجب عليه خدمة مولاه وإنْ كان حائكاً ، ويجب على مولاه قبول قوله في المسائل الشرعيّة وإنْ كان سلطاناً ، كما يجب على السلطان قبول شهادة من رأى الهلال وإنْ كان من أفقر الناس وأحقرهم ، وكذا الحال في الراوي . فظهر أنّ وجوب الاتّباع في أمرٍ شرعي لا يدلّ على شرف المتبوع على التابع مطلقاً ، ولا على تقديمه عليه من كلّ جِهة .
--> « 1 » اقتباس من الآية 21 من الأحزاب ( 33 ) . « 2 » النحل ( 16 ) : 43 ؛ الأنبياء ( 21 ) : 7 .