الشهيد الثاني

773

رسائل الشهيد الثاني ( ط . ج )

فبمعنى أنّه إذا فُرض حصول جميع ما يتوقّف عليه الحكم ، جاز الاستدلال عليه والاجتهادُ فيه ، ولا يحتاج إلى الاطَّلاع بدلائل الأحكام الأُخر . ولا شكّ في صحّة هذين المعنيين بل في وقوعهما ، فالقول بأنّه يحتمل أنْ يكون للمسألة تعلَّق بشيء آخَرَ باطل ؛ لأنّ المفروض حصول جميع ما يتوقّف عليه . مع أنّ الاحتمال هنا لا يقدح في الاجتهاد ؛ إذ مناطه على الأمارات ، فلو كان الاحتمال مانعاً له ، لانسدّ بابه . بل الحقّ أنّ الواقع منه ليس إلا التجزئةَ ؛ إذ الاطَّلاع على مأخذ جميع الأحكام الجزئية عسى أنْ يكون من المُحالات العاديّة ؛ ولذا نشاهد مثل المحقّق والعِمة ( قدّس سرّهما ) يتوقّفان في كثير من الأحكام . فالنافي : إنْ أراد أنّ الملكة المعتبرة فيه لا تقبل الشدّة والضعف ، فهو خلاف الوجدان . وإنْ أراد أنّ الاجتهاد في بعض الأحكام مع حصول جميع أسبابه غير جائز ؛ للاحتمال المذكور ، فقد عرفت بطلانه فلا نعيده . وإنْ أراد أنّ أقلَّ ما هو الواجب في حقيقة الاجتهاد من القوّة والملكة الاستدلاليّة لا تقبل الزيادة والنقصان ، فلا ينازعه أحد ، إلا أنّ مرادنا بالتجزئة غير هذا المعنى ؛ لما بيّنّا . وممّا يدلّ على التجزئة من الأخبار والروايات ما رواه سالم بن مكرم الجمّال ، وهو قول أبي عبد الله : إيّاكم أنْ يحاكِمَ بعضكم بعضاً إلى أهل الجور ، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا ، فاجعلوه بينكم قاضياً ؛ فإنّي قد جعلته عليكم