الشهيد الثاني

43

رسائل الشهيد الثاني ( ط . ج )

جُلَّهم ، أو من شاهدتُم منهُم ، ما كانوا يَتَحاشون عن الأحكام وتَقعُ منهم مِراراً ، وكفى جرحاً فعل ما خالف الإجماعَ المصرّحَ من مثلِ العلامةِ جمال الدين رحمه الله ( 1 ) وغيرِه ، بل يَتَرَتّبُ على هذا ضَمانُهم الأموالَ التي حكموا بها واحْتَبسوها ( 2 ) من مال الغائب وغيره ، واستقرارُها في ذِمّتِهِم ، كما هو معلوم مقرّر في بابه ومقطوع به في فتاواهم ، بأنّ من هو قاصر عن درجة الفتوى يَضْمَنُ ما أخْطَأ فيه من الأحكام في ماله ، ويَضْمَنُ ما تَصَرّفَ فيه من مال الغائب كذلك . الوجه الحادي عشر : أنّ مستَنَدَ الأحكامِ ودلائلَ الفقهِ لمّا كانت ظنّيةً لم تكن دالَّةً بذاتِها على تلك الأحكام ، وموجبةً للعمل بها ، بل لا بدّ من اقترانِها بظنّ الفقيهِ البالغِ درجةَ الفتوى ، ورجحانِها عنده ولو بالاستدامة الحكميّة ، كحالة نومهِ وغفلتِهِ . ولهذا لا يجوز العملُ بما دلَّت عليه لو حصلت تلك الأدلَّةُ لغيره ممّن لم يبلغِ الدرجةَ ، ولا له إذا تغيّرَ ظنُهُ ورجع إلى نقيضها ، وحينئذٍ فيكون المُثبِت لتلك الأحكام هو تلك الدلالةِ المقترِنةِ بالظنّ فعلًا أو قوّةً . فتبيّن من ذلك أنّ تلك الدَّلائلَ لا تستلزم الحكمَ بذاتها ، بل بالظنّ الحاصلِ باعتبارِ انتفاء المعارض ، وهذا الظنّ يمتنع بقاؤه بعد الموت لأنّه من الأعراض المشروطة بالحياة فيزول المقتضي لِزوالهِ ، ويبقى الحُكمُ بعد موتِهِ خالياً عن سندٍ ، فيخرج عن كونه معتبراً شرعاً . وأوضحُ ما يؤيّد هذا الوجهَ أنّ المجتهدَ لو رَجَعَ في المسألةِ عن مقام الترجيح إلى التوقّف ، بَطَلَ ذلك الترجيحُ في حقّه وحقّ المقلَّدِ ، كما لو رَجَعَ عنه إلى ترجيح نقيضِهِ ، وحينئذٍ فكيف يثبتُ بعد الموتِ ما يَبطُلُ في حالِ الحياة عند

--> ( 1 ) « مختلف الشيعة » ج 8 ، ص 431 ، المسألة 33 . ( 2 ) في بعض النسخ : « واحْتَسَبوها » .