الشهيد الثاني
35
رسائل الشهيد الثاني ( ط . ج )
التقليد . وتحرير البحث أنّه لا خلافَ بين علمائِنا رضوان الله عليهم أجمعين أنّ التفقّه في الدين واجب ، وإنّما اختلفوا في أنّ وجوبَه هل هو على الأعيان ، أو الكفاية ؟ فذهب قدماءُ علمائنا ، وفقهاءُ حَلَب كأبي الصلاح ( 1 ) ، وسلار وابن حمزةَ إلى أنّ وجوبَه عيني وأنّه لا يجوز التقليد في الأحكام الشرعية لأحدٍ البتّةَ ( 2 ) . وذهب باقي الأصحاب إلى أنّ وجوبَه كفائي . ومن المعلوم أنّ الواجبَ الكفائي متى لم يقم به أحد كان الواجبُ على جميعِ المكلَّفين القيامَ به ، فإنْ أخَلَّوا به لَحِقَهُم جميعاً الإثمُ ، ومتى أصَرّوا على تركه ساعةً بعدَ أُخرى ولو إلى يومٍ واحدٍ فضلًا عن أيّامٍ ، كان من الكبائرِ ، إنْ لم يكن منها بل من أكبرِها ابتداءً . إذا تقرّر ذلك ، فإنْ قلنا بوجوبه عيناً ، فلا كلامَ في لحوقِ الإثمِ لتاركِهِ . وإنْ قلنا بالآخر فإنّما يَسقُطُ عن المكلَّفينَ الإثمُ في تركِهِ عند قيام أحدٍ به بحيث يَتَأدّى به الفرضُ الكفائي ، وهو بالنسبة إلى التفقّه إنّما يتحقّق بوجود مجتهدٍ في كلّ قُطْرٍ من أقطارِ الإسلامِ ، بحيث يُرجَع إليه في الوقائع متى احتِيجَ إليه . ومن المعلومِ البيّن عدمُ ذلك في زماننا وما تقدّمَهُ بسنين كثيرةٍ ، واللازمُ من ذلك اشتِراكُ أهلِ العصرِ المفقودِ فيه ذلك في الإثم وخروجُهم عن العدالةِ ، وهو يَسُدّ عليهم بابَ التقليد على تقدير جوازه ( 3 ) . لا يقال : الإثم إنّما يَلْحَقُ من يُمكِنُهُ الاجتهادُ من أهلِ العصرِ ، لا جميعَ أهلِ العصرِ للعلمِ الضروري بأنّ مِنَ المكلَّفين مَن لا يقدر على تحصيل هذه المرتبة ،
--> ( 1 ) انظر « الكافي في الفقه » ص 113 - 114 . ( 2 ) قال المصنّف رحمه الله في « المقاصد العلية » ص 52 مُشِيراً إلى هذا القول : « وهو قول غريب عجيب مستلزم للمِحنة الكبرى والطامّة العظمى » . ( 3 ) انظر « المقاصد العلية » ص 53 - 54 .