الشهيد الثاني
10
رسائل الشهيد الثاني ( ط . ج )
الأوّل فلأنّ توجيه التكليف المذكور أعني وجوبَ الاجتهاد نحوَ جميعِ المكلَّفين بحيث لا يَشُذّ منهم أحد عند خُلُوّ العصر من المجتهدين ، وإيجابَه عليهم أجمعين ، ممّا لا يُذْعِنُه [ كذا ، ظ : لا يُذْعِنُ به ] سليمُ الفِطرة ، ولا يَرْكَنُ إليه صحيحُ الفِكرة إذ لا يخفى على المُنْصِف أنّ المكلَّفين بحسب الأمزِجة الأصلية والطبائع التي جُبِلُوا عليها على طبقاتٍ شتّى : فمنهم طائفة طبائعهم قريبة إلى الاعتدال الحقيقي ، فلهم أذهان وقّادة وعقول درّاكة وطبائعُ سليمة وأفهام مستقيمة . ومنهم طائفة ليستْ أمزِجَتُهم بذلك القُرْبِ إلى الاعتدال ، فليس لأفهامهم اشتعال كذلك الاشتعال ( 1 ) ، ولكن يُمكن لهم بالكدّ التامّ والسعيِ البليغِ تحصيلُ النظريات بالاستدلال . ومنهم طائفة ليس لهم حَظَّ من المطالب الدقيقة والمقاصِد الخفيّة ، بحيث لا يَنالونَها إلا بالعُسْر المقرون بالحَرَج المنفيّ بالآية ( 2 ) . ومنهم مَن في جِبِلَّته البَلَهُ والبَلادة ، بحيث لا ينفع فيه العِلاجُ ، ولا ينفكّ عنه ما هو مقتضى المِزاج فلا يَفْهَمُ إلا بعضَ البديهيّات . ومنهم مَن هو كثيرُ النِّسْيان ، ضعيفُ الحافظة ، بحيث لا يقدِرُ على تحصيل الملكة التي يتمكَّن بها من استخراج الفروع من مأخذها . وهذه الدرجات المتفاوتة والمراتب المختلفة حاصلة في المكلَّفين لا يُنْكِرُها إلا المكابرونَ الذين هم لِلحقّ كارهون . وكفاك شاهداً على هذا اختلاف أحوال الصحابة في مبدأ الإسلام فإنّ
--> ( 1 ) في بعض النسخ : « اشتعال كُلّ الاشتعال » . ( 2 ) الحجّ ( 22 ) : 78 : * ( وما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ ) * .