ابن رشد

9

بداية المجتهد ونهاية المقتصد

ولي من لا ولي له خرجه الترمذي وقال فيه : حديث حسن وأما ما احتج به من لم يشترط الولاية من الكتاب والسنة . فقوله تعالى : * ( فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف ) * قالوا : وهذا دليل على جواز تصرفها في العقد على نفسه . قالوا وقد أضاف إليهن في غير ما آية من الكتاب الفعل فقال : * ( أن ينكحن أزواجهن ) * وقال * ( حتى تنكح زوجا غيره ) * وأما من السنة فاحتجوا بحديث ابن عباس المتفق على صحته ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام : الأيم أحق بنفسها من وليها ، والبكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها وبهذا الحديث احتج داود في الفرق عنده بين الثيب والبكر في هذا المعنى ، فهذا مشهور ما احتج به الفريقان من السماع . فأما قوله تعالى : * ( فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن ) * فليس فيه أكثر من نهي قرابة المرأة وعصبتها من أن يمنعوها النكاح ، وليس نهيهم عن العضل مما يفهم منه اشتراط إذنهم في صحة العقد ، لا حقيقة ولا مجازا ، أعني بوجه من وجوه أدلة الخطاب الظاهرة أو النص بل قد يمكن أن يفهم منه ضد هذا ، وهو أن الأولياء ليس لهم سبيل على من يلونهم ، وكذلك قوله تعالى : * ( ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ) * هو أن يكون خطابا لأولي الامر من المسلمين أو لجميع المسلمين أحرى منه أن يكون خطابا للأولياء ، وبالجملة فهو متردد بين أن يكون خطابا للأولياء أو لأولي الامر . فمن احتج بهذه الآية فعليه البيان أنه أظهر في خطاب الأولياء منه في أولي الامر ، فإن قيل إن هذا عام والعام يشمل ذوي الامر والأولياء قيل إن هذا الخطاب إنما هو خطا ب بالمنع ، والمنع بالشرع ، فيستوي فيه الأولياء وغيرهم ، وكون الولي مأمورا بالمنع بالشرع لا يوجب له ولاية خاصة في الاذن أصله الأجنبي ، ولو قلنا إنه خطاب للأولياء يوجب اشتراط إذنهم في صحة النكاح لكان مجملا لا يصح به عمل ، لأنه ليس فيه ذكر أصناف الأولياء ولا صفاتهم ولا مراتبهم ، والبيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة ، ولو كان في هذا كله شرع معروف لنقل تواترا أو قريبا من التواتر . لان هذا مما تعم به البلوى ، ومعلوم أنه كان في المدينة من لا ولي له . ولم ينقل عنه ( ص ) أنه كان يعقد أنكحتهم ولا ينصب لذلك من يعقدها ، وأيضا فإن المقصود من الآية ليس هو حكم وإنما المقصود منها تحريم نكاح المشركين والمشركات وهذا ظاهر ، والله أعلم . وأما حديث عائشة فهو حديث مختلف في وجوب العمل به ، والأظهر أن ما لا يتفق على صحته أنه ليس يجب العمل به . وأيضا فإن سلمنا صحة الحديث فليس فيه إلا اشتراط إذن الولي لمن لها ولي : أعني المولى عليها ، وإن سلمنا أنه عام في كل امرأة فليس فيه أن المرأة لا تعقد