ابن رشد

55

بداية المجتهد ونهاية المقتصد

قبلها وبمثله وبأقل منه . وقال قائلون : ليس له أن يأخذ أكثر مما أعطاها على ظاهر حديث ثابت . فمن شبهه بسائر الأعواض في المعاملات رأى أن القدر فيه راجع إلى الرضا ، ومن أخذ بظاهر الحديث لم يجز أكثر من ذلك . وكأنه رآه من باب أخذ المال بغير حق . المسألة الثانية : وأما صفة العوض ، فإن الشافعي وأبا حنيفة يشترطان فيه أن يكون معلوم الصفة ومعلوم الوجوب . ومالك يجيز فيه المجهول الوجود والقدر والمعدوم ، مثل الآبق والشارد والثمرة التي لم يبد صلاحها والعبد غير الموصوف . وحكي عن أبي حنيفة جواز الغرر ومنع المعدوم . وسبب الخلاف : تردد العوض ههنا بين العوض في البيوع أو الأشياء الموهوبة والموصى بها . فمن شبهها بالبيوع اشترط فيه ما يشترط في البيوع وفي أعواض البيوع . ومن شبهه بالهبات لم يشترط ذلك . واختلفوا إذا وقع الخلع بما لا يحل كالخمر والخنزير هل يجب لها عوض أم لا بعد اتفاقهم على أن الطلاق يقع ؟ فقال مالك : لا يستحق عوضا . وبه قال أبو حنيفة ، وقال الشافعي : يجب لها مهر المثل . المسألة الثالثة : وأما ما يرجع إلى الحال التي يجوز فيها الخلع من التي لا يجوز فإن الجمهور على أن الخلع جائز مع التراضي إذا لم يكن سبب رضاها بما تعطيه إضراره بها . والأصل في ذلك قوله تعالى : * ( ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) * وقوله تعالى : * ( فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به ) * وشذ أبو قلابة والحسن البصري فقالا : لا يحل للرجل الخلع عليها حتى يشاهدها تزني ، وحملوا الفاحشة في الآية على الزنا ، وقال داود : لا يجوز إلا بشرط الخوف أن لا يقيما حدود الله على ظاهر الآية ، وشذ النعمان فقال : يجوز الخلع مع الاضرار ، والفقه أن الفداء إنما جعل للمرأة في مقابلة ما بيد الرجل من الطلاق ، فإنه لما جعل الطلاق بيد الرجل إذا فرك المرأة جعل الخلع بيد المرأة إذا فركت الرجل ، فيتحصل في الخلع خمسة أقوال : قول إنه لا يجوز أصلا . وقول إنه يجوز على كل حال : أي مع الضرر . وقول إنه لا يجوز إلا مع مشاهدة الزنا . وقول مع خوف أن لا يقيما حدود الله . وقول إنه يجوز في كل حال إلا مع الضرر ، وهو المشهور . المسألة الرابعة : وأما من يجوز له الخلع ممن لا يجوز فإنه لا خلاف عند الجمهور أن الرشيدة تخالع عن نفسها ، وأن الأمة لا تخالع عن نفسها إلا برضا سيدها ، وكذلك السفيهة مع وليها عند من يرى الحجر ، وقال مالك : يخالع الأب على ابنته الصغيرة كما