ابن رشد

43

بداية المجتهد ونهاية المقتصد

حتى يصح موته ، وقولهم مروي عن علي وابن مسعود . والسبب في اختلافهم : معارضة استصحاب الحال للقياس ، وذلك أن استصحاب الحال يوجب أن لا تنحل عصمة إلا بموت أو طلاق حتى يدل الدليل على غير ذلك . وأما القياس فهو تشبيه الضرر اللاحق لها من غيبته بالايلاء والعنة ، فيكون لها الخيار كما يكون في هذين والمفقودون عند المحصلين من أصحاب مالك أربعة : مفقود في أرض الاسلام وقع الخلاف فيه ، ومفقود في أرض الحرب ، ومفقود في حروب الاسلام ، أعني فيما بينهم ، ومفقود في حروب الكفار ، والخلاف عن مالك وعن أصحابه في الثلاثة الأصناف من المفقودين كثير . فأما المفقود في بلاد الحرب فحكمه عندهم حكم الأسير لا تتزوج امرأته ولا يقسم ماله حتى يصح موته ، ما خلا أشهب ، فإنه حكم له بحكم المفقود في أرض المسلمين . وأما المفقود في حروب المسلمين فقال : إن حكمه حكم المقتول دون تلوم ، وقيل يتلوم له بحسب بعد الموضع الذي كانت فيه المعركة وقربه وأقصى الاجل في ذلك سنة . وأما المفقود في حروب الكفار ففيه في المذهب أربعة أقوال : قيل حكمه حكم الأسير ، وقيل حكمه حكم المقتول بعد تلوم سنة ، إلا أن يكون بموضع لا يخفى أمره فيحكم له بحكم المفقود في حروب المسلمين وفتنهم ، والقول الثالث أن حكمه حكم المفقود في بلاد المسلمين ، والرابع حكمه حكم المقتول في زوجته ، وحكم المفقود في أرض المسلمين في ماله أعني يعمر وحينئذ يورث ، وهذه الأقاويل كلها مبناها على تجويز النظر بحسب الأصلح في الشرع ، وهو الذي يعرف بالقياس المرسل ، وبين العلماء فيه اختلاف : أعني بين القائلين بالقياس . الفصل الرابع : في خيار العتق واتفقوا على أن الأمة إذا عتقت تحت عبد أن لها الخيار ، واختلفوا إذا عتقت تحت الحر هل لها خيار أم لا ؟ فقال مالك والشافعي وأهل المدينة والأوزاعي وأحمد والليث : لا خيار لها . وقال أبو حنيفة والثوري : لها الخيار حرا كان أو عبدا . وسبب اختلافهم : تعارض النقل في حديث بريرة ، واحتمال العلة الموجبة للخيار أن يكون الجبر الذي كان في إنكاحها بإطلاق إذا كانت أمة ، أو الجبر على تزويجها من عبد ، فمن قال : العلة الجبر على النكاح بإطلاق قال : تخير تحت الحر والعبد ، ومن قال الجبر على تزويج العبد فقط قال : تخير تحت العبد فقط . وأما اختلاف النقل فإنه روي عن ابن عباس أن زوج بريرة كان عبدا أسود . وروي عن عائشة أن زوجها كان حرا . وكلا النقلين ثابت عند أصحاب الحديث ، واختلفوا أيضا في الوقت الذي يكون لها الخيار فيه ، فقال مالك والشافعي : يكون لها الخيار ما لم يمسها ، وقال أبو حنيفة : خيارها على المجلس ، وقال الأوزاعي : إنما يسقط خيارها بالمسيس إذا علمت أن المسيس يسقط خيارها .