ابن رشد
388
بداية المجتهد ونهاية المقتصد
تترجح بالعدد وإذا تساوت في العدالة فذلك عند مالك كلا بينة يحلف المدعى عليه ، فإن نكل حلف المدعي ووجب الحق ، لان يد المدعى عليه شاهدة له ، ولذلك جعل دليله الدليلين : أعني اليمين . وأما إذا أقر الخصم فإن كان المدعى فيه عينا فلا خلاف أنه يدفع إلى مدعيه . وأما إذا كان مالا في الذمة ، فإنه يكلف المقر غرمه فإن ادعى العدم حبسه القاضي عند مالك حتى يتبين عدمه ، أما بطول السجن والبينة إن كان متهما فإذا لاح عسره خلي سبيله لقوله تعالى : * ( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ) * . وقال قوم : يؤاجره ، وبه قال أحمد . وروي عن عمر بن عبد العزيز ، وحكي عن أبي حنيفة أن لغرمائه أن يدوروا معه حيث دار ، ولا خلاف أن البينة إذا جرحها المدعى عليه أن الحكم يسقط إذا كان التجريح قبل الحكم ، وإن كان بعد الحكم لم ينتقض عند مالك ، وقال الشافعي : ينتقض . وأما إن رجعت البينة عن الشهادة ، فلا يخلو أن يكون ذلك قبل الحكم أو بعده ، فإن كان قبل الحكم فالأكثر أن الحكم لا يثبت ، وقال بعض الناس : يثبت . وإن كان بعد الحكم . فقال مالك : يثبت الحكم . وقال غيره لا يثبت الحكم . وعند مالك أن الشهداء يضمنون ما أتلفوا بشهادتهم . فإن كان مالا ضمنوه على كل حال ، قال عبد الملك : لا يضمنون في الغلط ، وقال الشافعي : لا يضمنون المال . وإن كان دما فإن ادعوا الغلط ضمنوا الدية . وإن أقروا أقيد منهم على قول أشهب ، ولم يقتص منهم على قول ابن القاسم . الباب السادس : في وقت القضاء وأما متى يقضي ، فمنها ما يرجع إلى حال القاضي في نفسه ، ومنها ما يرجع إلى وقت إنفاذ الحكم وفصله ، ومنها ما يرجع إلى وقت توقيف المدعي فيه وإزالة اليد عنه إذا كان غبنا . فأما متى يقضي القاضي ؟ فإذا لم يكن مشغول النفس لقوله عليه الصلاة والسلام : لا يقضي القاضي حين يقضي وهو غضبان ومثل هذا عند مالك أن يكون عطشانا أو جائعا أو خائفا أو غير ذلك من العوارض التي تعوقه عن الفهم ، لكن إذا قضى في حال من هذه الأحوال بالصواب فاتفقوا - فيما أعلم - على أنه ينفذ حكمه ، ويحتمل أن يقال : ينفذ فيما وقع عليه النص وهو الغضبان ، لان النهي يدل على فساد المنهي عنه . وأما متى ينفذ الحكم عليه فبعد ضرب الاجل والاعذار إليه ، ومعنى نفوذ هذا ، هو أن يحق حجة المدعي أو يدحضها ، وهل له أن يسمع حجة بعد الحكم ؟ فيه اختلاف من قول مالك ، والأشهر أنه يسمع فيما كان حقا لله مثل الاحباس والعتق ولا يسمع في غير ذلك . وقيل لا يسمع بعد نفوذ الحكم وهو الذي يسمى التعجيز وقيل : لا يسمع منهما جميعا ، وقيل بالفرق بين المدعي والمدعى عليه ، وهو ما إذا أقر بالعجز . وأما وقت التوقيف فهو عند الثبوت وقبل الاعذار ، وهو إذا لم يرد الذي استحق