ابن رشد
372
بداية المجتهد ونهاية المقتصد
يده اليمنى ، ثم الثانية فقطع رجله ، ثم أتي به في الثالثة فقطع يده اليسرى ، ثم أتي به في الرابعة فقطع رجله وروي هذا عن حديث جابر بن عبد الله ، وفيه ثم أخذه الخامسة فقتله إلا أنه منكر عند أهل الحديث ، ويرده قوله عليه الصلاة والسلام هن فواحش وفيهن عقوبة ولم يذكر قتلا . وحديث ابن عباس أن النبي عليه الصلاة والسلام قطع الرجل بعد اليد وعند مالك أنه يؤدب في الخامسة ، فإذا ذهب محل القطع من غير سرقة بأن كانت اليد شلاء . فقيل في المذهب : ينتقل القطع إلى اليد اليسرى وقيل إلى الرجل . واختلف في موضع القطع من القدم . فقيل : يقع من المفصل الذي في أصل الساق ، وقيل : يدخل الكعبان في القطع ، وقيل : لا يدخلان ، وقيل : إنها تقطع من المفصل الذي في وسط القدم . واتفقوا على أن لصاحب السرقة أن يعفو عن السارق ما لم يرفع ذلك إلى الامام لما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ( ص ) قال : تعافوا الحدود بينكم فما بلغني من حد فقد وجب وقوله عليه الصلاة والسلام : لو كانت فاطمة بنت محمد لأقمت عليها حد وقوله لصفوان : هلا كان ذلك قبل أن تأتيني به ؟ . واختلفوا في السارق يسرق ما يجب فيه القطع فيرفع إلى الامام وقد وهبه صاحب السرقة ما سرقه ، أو يهبه له بعد الرفع وقبل القطع فقال مالك والشافعي : عليه الحد ، لأنه قد رفع إلى الامام ، وقال أبو حنيفة وطائفة : لا حد عليه . فعمدة الجمهور : حديث مالك عن ابن شهاب عن صفوان بن عبد الله بن صفوان بن أمية أنه قيل له : إن من لم يهاجر هلك ، فقدم صفوان بن أمية إلى المدينة ، فنام في المسجد وتوسد رداءه فجاء سارق فأخذ رداءه ، فأخذ صفوان السارق فجاء به إلى رسول الله ( ص ) ، فأمر به رسول الله ( ص ) أن تقطع يده ، فقال صفوان : لم أرد هذا يا رسول الله هو عليه صدقة ، فقال رسول الله ( ص ) : فهلا قبل أن تأتيني به . القول فيما تثبت به السرقة واتفقوا على أن السرقة تثبت بشاهدين عدلين ، وعلى أنها تثبت بإقرار الحر ، واختلفوا في إقرار العبد ، فقال جمهور فقهاء الأمصار : إقراره على نفسه موجب لحده ، وليس يوجب عليه غرما ، وقال زفر : لا يجب بإقرار العبد على نفسه بما يوجب قتله ولا قطع يده لكونه مالا لمولاه ، وبه قال شريح والشافعي وقتادة وجماعة ، وإن رجع عن الاقرار إلى شبهة قبل رجوعه ، وإن رجع إلى غير شبهة فعن مالك في ذلك روايتان ، هكذا حكى البغداديون عن المذهب ، وللمتأخرين في ذلك تفصيل ليس يليق بهذا الغرض ، وإنما هو لائق بتفريع المذهب .