ابن رشد
345
بداية المجتهد ونهاية المقتصد
اختلفوا فيها على ما سنذكره . ومنها ما اتفقوا عليه مما لم يذكر ههنا قياسا علما ذكر فنقول : إن العلماء أجمعوا على أن في الشفتين الدية كاملة ، والجمهور على أن في كل واحدة منهما نصف الدية ، وروي عن قوم من التابعين أن السفلى ثلثي الدية لأنها تحبس الطعام والشراب ، وبالجملة فإن حركتها والمنفعة بها أعظم من حركة الشفة العليا ، وهو مذهب زيد بن ثابت . وبالجملة فجماعة العلماء وأئمة الفتوى متفقون على أن في كل زوج من الانسان الدية ما خلا الحاجبين وثديي الرجل . واختلفوا في الاذنين متى تكون فيهما الدية ؟ فقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري والليث : إذا اصطلمتا كان فيهما الدية ، ولم يشترطوا إذهاب السمع ، بل جعلوا في ذهاب السمع الدية مفردة . وأما مالك فالمشهور عنده أنه لا تجب في الاذنين الدية إلا إذا ذهب سمعهما ، فإن لم يذهب ففيه حكومة ، وروي عن أبي بكر أنه قضى في الاذنين بخمس عشرة من الإبل وقال : إنهما لا يضران السمع ويسترهما الشعر أو العمامة . وروي عن عمر وعلي وزيد أنهم قضوا في الاذن إذا اصطلمت نصف الدية . وأما الجمهور من العلماء فلا خلاف عندهم أن في الذهاب السمع الدية . وأما الحاجبان ففيهما عند مالك والشافعي حكومة ، وقال أبو حنيفة : فيهما الدية ، وكذلك في أشفار العين ، وليس عند مالك في ذلك إلا حكومة . وعمدة الحنفية : ما روي عن ابن مسعود أنه قال : في كل اثنين من الانسان الدية وتشبيههما بما أجمعوا عليه من الأعضاء المثناة . وعمدة مالك : أنه لا مجال فيه للقياس وإنما طريقه التوقيف ، فما لم يثبت من قبل السماع دية فالأصل أن فيه حكومة ، وأيضا فإن الحواجب ليست أعضاء لهما منفعة ولا فعل بين - أعني ضروريا في الخلقة . وأما الأجفان فقيل في كل جفن منها ربع الدية ، وبه قال الشافعي والكوفي ، لأنه لا بقاء للعين دون الأجفان ، وفي الجفنين الأسفلين عند غيرهما الثلث وفي الأعليين الثلثان . وأجمعوا على أن من أصيب من أطرافه أكثر من ديته أن له ذلك ، مثل أن تصاب عيناه وأنفه فله ديتان . وأما الأنثيان فأجمعوا أيضا على أن فيهما الدية ، وقال جميعهم : إن في كل واحدة منهما نصف الدية ، إلا ما روي عن سعيد بن المسيب أنه قال : في البيضة اليسرى ثلثا الدية لان الولد يكون منها وفي اليمنى ثلث الدية ، فهذه مسائل الأعضاء المزدوجة . وأما المفردة فإن جمهورهم على أن في اللسان خطأ الدية ، وذلك مروي عن النبي ( ص ) ، وذلك إذا قطع كله أو قطع منه ما يمنع الكلام ، فإن لم يقطع منه ما منع الكلام ففيه حكومة . واختلفوا في القصاص فيه عمدا ، فمنهم من لم ير فيه قصاصا وأوجب الدية ، وهم مالك والشافعي والكوفي ، لكن الشافعي يرى الدية في مال الجاني ، والكوفي ومالك على العاقلة ، وقال الليث وغيره : في اللسان عمدا القصاص وأما الانف فأجمعوا على أنه إذا أوعب جذعا على أن فيه الدية على ما في الحديث وسواء عند مالك