ابن رشد
343
بداية المجتهد ونهاية المقتصد
كتاب الديات فيما دون النفس والأشياء التي تجب فيها الدية فيما دون النفس هي شجاج وأعضاء ، فلنبدأ بالقول في الشجاج ، والنظر في هذا الباب في محل الوجوب وشرطه وفي قدره الواجب ، وعلى من تجب ؟ ومتى تجب ؟ ولمن تجب ؟ فأما محل الوجوب فهي الشجاج أو قطع الأعضاء ، والشجاج عشرة في اللغة والفقه : أولها الدامية وهي التي تدمي الجلد ، ثم الجارحة وهي التي تشق الجلد ، ثم الباضعة وهي التي تبضع الحم : أي تشقه ، ثم المتلاحمة وهي التي أخذت في اللحم ، ثم السمحاق وهي التي تبلغ السمحاق وهو الغشاء الرقيق بين اللحم والعظم ويقال لها : الملطاء بالمد والقصر ، ثم الموضحة وهي التي توضح العظم : أي تكشفه ، ثم الهاشمة وهي التي تهشم العظم ، ثم المنقلة وهي التي يطير العظم منها ، ثم المأمومة وهي التي تصل أم الدماغ ، ثم الجائفة وهي التي تصل إلى الجوف ، وأسماء هذه الشجاج مختصة بما وقع بالوجه منها والرأس دون سائر البدن ، واسم الجرح يختص بما وقع في البدن ، فهذه أسماء هذه الشجاج . فأما أحكامها أعني الواجب فيها ، فاتفق العلماء على أن العقل واقع في عمد الموضحة وما دون الموضحة خطأ . واتفقوا على أنه ليس فيما دون الموضحة خطأ عقل ، وإنما فيها حكومة ، قال بعضهم : أجرة الطبيب ، إلا ما روي عن عمر وعثمان أنهما قضيا في السمحاق بنصف دية الموضحة ، وروي عن علي أنه قضى فيها بأربع من الإبل ، وروي عن زيد بن ثابت أنه قال : في الدامية بعير ، وفي الباضعة بعيران ، وفي المتلاحمة ثلاثة أبعرة ، وفي السمحاق أربعة ، والجمهور من فقهاء الأمصار على ما ذكرنا ، وذلك أن الأصل في الجراح الحكومة إلا ما وقتت فيه السنة حدا ، ومالك يعتبر في إلزام الحكومة فيما دون الموضحة أن تبرأ على شين ، والغير من فقهاء الأمصار يلزم فيها الحكومة برئت على شين أو لم تبرأ ، فهذه هي أحكام ما دون الموضحة . وأما الموضحة فجميع الفقهاء على أن فيها إذا كانت خطأ خمسا من الإبل ، وثبت ذلك عن رسول الله ( ص ) في كتابه لعمرو بن حزم ، ومن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ( ص ) قال في الموضحة خمس يعني من الإبل . واختلف العلماء في موضع الموضحة من الجسد بعد اتفاقهم على ما قلنا ، أعني على وجوب القصاص في العمد ووجوب الدية في الخطأ منها ، فقال مالك : لا تكون الموضحة إلا في جهة الرأس والجبهة والخدين واللحى الأعلى ، ولا تكون في اللحى