ابن رشد

330

بداية المجتهد ونهاية المقتصد

عفا عنه . وهو قول الثوري . وأما من يرى أنه لا يعفو عن الدم فليس يتصور معه خلاف في أنه لا يسقط ذلك طلب الولي الدية ، لأنه إذا كان عفوه عن الدم لا يسقط حق الولي ، فأحرى أن لا يسقط عفوه عن الجرح . واختلفوا في القاتل عمدا يعفى عنه ، هل يبقى للسلطان فيه أم لا ؟ فقال مالك والليث : إنه يجلد مائة ويسجن سنة . وبه قال أهل المدينة ، وروي ذلك عن عمر ، وقالت طائفة : الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور : لا يجب عليه ذلك . وقال أبو ثور : إلا أن يكون يعرف بالشر فيؤدبه الامام على قدر ما يرى . ولا عمدة الطائفة الأولى إلا أثر ضعيف . وعمدة الطائفة الثانية ظاهر الشرع وأن التحديد في ذلك لا يكون إلا بتوقيف ، ولا توقيف ثابت في ذلك . القول في القصاص والنظر في القصاص هو في صفة القصاص ، وممن يكون ؟ ومتى يكون ؟ فأما صفة القصاص في النفس ، فإن العلماء اختلفوا في ذلك فمنهم من قال : يقتص من القاتل على الصفة التي قتل ، فمن قتل تغريقا قتل تغريقا ، ومن قتل بضرب بحجر قتل بمثل ذلك ، وبه قال مالك والشافعي ، قالوا : إلا أن يطول تعذيبه بذلك فيكون السيف له أروح . واختلف أصحاب مالك فيمن حرق آخر ، هل يحرق - مع موافقتهم لمالك في احتذاء صورة القتل ؟ وكذلك فيمن قتل بالسهم ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : بأي وجه قتله لم يقتل إلا بالسيف ، وعمدتهم ما روى الحسن عن النبي ( ص ) أنه قال : لا قود إلا بحديدة . وعمدة الفريق الأول حديث أنس أن يهوديا رضخ رأس امرأة بحجر ، فرضخ النبي ( ص ) رأسه بحجر ، أو قال : بين حجرين وقوله تعالى : * ( كتب عليكم القصاص في القتلى ) * والقصاص يقتضي المماثلة . وأما ممن يكون القصاص فالظاهر أنه يكون من ولي الدم ، وقد قيل إنه لا يمكن منه لمكان العدواة ومخافة أن يجور فيه . أما متى يكون القصاص ؟ فبعد ثبوت موجباته ، والاعذار إلى القاتل في ذلك إن لم يكن مقرا . واختلفوا هل من شرط القصاص أن لا يكون الموضع الحرم . وأجمعوا على أن الحامل إذا قتلت عمدا أنه لا يقاد منها حتى تضع حملها . واختلفوا في القاتل بالسم والجمهور على وجوب القصاص ، وقال بعض أهل الظاهر : لا يقتص منه من أجل أنه عليه الصلاة والسلام سم هو وأصحابه ، فلم يتعرض لمن سمه . كمل كتاب القصاص في النفس .