ابن رشد

323

بداية المجتهد ونهاية المقتصد

كتاب القصاص وهذا الكتاب ينقسم إلى قسمين : الأول : النظر في القصاص في النفوس ، والثاني : النظر في القصاص في الجوارح ، فلنبدأ من القصاص في النفوس . كتاب القصاص في النفوس والنظر أولا في هذا الكتاب ينقسم إلى قسمين : إلى النظر في الموجب ، أعني الموجب للقصاص . وإلى النظر في الواجب . أعني القصاص وفي أبداله إن كان له بدل . فلنبدأ أولا بالنظر في الموجب . والنظر في الموجب يرجع إلى النظر في صفة القتل والقاتل التي يجب بمجموعها والمقتول القصاص . فإنه ليس أي قاتل اتفق يقتص منه ، ولا بأي قتل اتفق ، ولا من أي مقتول اتفق . بل من قاتل محدود ، ومقتول محدود ، إذ كان المطلوب في هذا الباب إنما هو العدل . فلنبدأ من النظر في القاتل . ثم في القتل . ثم في المقتول . القول في شروط القاتل فنقول : إنهم اتفقوا على أن القاتل الذي يقاد منه يشترط فيه باتفاق أن يكون عاقلا بالغا مختارا للقتل مباشرا غير مشارك له فيه غيره . واختلفوا في المكره والمكره ، وبالجملة الآمر والمباشر ، فقال مالك والشافعي والثوري وأحمد وأبو ثور وجماعة : القتل على المباشر دون الآمر ، ويعاقب الآمر ، وقالت طائفة : يقتلان جميعا ، وهذا إذا لم يكن هنالك إكراه ولا سلطان للآمر على المأمور . وأما إذا كان للآمر سلطان على المأمور ، أعني المباشر ، فإنهم اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال : فقال قوم : يقتل الآمر دون المأمور ، ويعاقب المأمور ، وبه قال داود وأبو حنيفة ، وهو أحد قولي الشافعي ، وقال قوم : يقتل المأمور دون الآمر ، وهو أحد قولي الشافعي . وقال قوم : يقتلان جميعا ، وبه قال مالك . فمن لم يوجب حدا على المأمور اعتبر تأثير الاكراه في اسقاط كثير من الواجبات في الشرع ، لكون المكره يشبه من لا اختيار له . ومن رأى عليه القتل غلب عليه حكم الاختيار ، وذلك أن المكره يشبه من جهة المختار ، ويشبه من جهة المضطر المغلوب ، مثل الذي يسقط من علو ، والذي تحمله الريح من موضع إلى موضع . ومن رأى قتلهم جميعا لم يعذر المأمور بالاكراه ولا الآمر بعدم المباشرة . ومن رأى قتل الآمر