ابن رشد
309
بداية المجتهد ونهاية المقتصد
كتابة النصراني المسلم ويباع عليه كما يباع عليه العبد المسلم عنده . فهذه هي مشهورات المسائل التي تتعلق بالأركان ، أعني المكاتب والمكاتب والكتابة . وأما الاحكام فكثيرة ، وكذلك الشروط التي تجوز فيها من التي لا تجوز . ويشبه أن تكون أجناس الاحكام الأولى في هذا العقد هو أن يقال متى يعتق المكاتب ومتى يعجز فيرق ، وكيف حاله إن مات قبل أن يعتق أو يرق ، ومن يدخل معه في حال الكتابة ممن لا يدخل ، وتمييز ما بقي عليه من حجر الرق مما لم يبق عليه . فلنبدأ بذكر مسائل الاحكام المشهورة التي في جنس جنس من هذه الأجناس الخمسة . الجنس الأول فأما متى يخرج من الرق ؟ فإنهم اتفقوا على أنه يخرج من الرق إذا أدى جميع الكتابة ، واختلفوا إذا عجز عن البعض وقد أدى البعض ، فقال الجمهور : هو عبد ما بقي من كتابته شئ ، وإنه يرق إذا عجز عن البعض . وروي عن السلف المتقدم سوى هذه القول الذي عليه الجمهور أقوال أربعة : أحدها : أن المكاتب يعتق بنفس الكتابة . والثاني : أنه يعتق منه بقدر ما أدى . والثالث : أنه يعتق إن أدى النصف فأكثر . والرابع : إن أدى الثلث وإلا فهو عبد . وعمدة الجمهور ما خرجه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ( ص ) قال : أيما عبد كاتب على مائة أوقية فأداها إلا عشرة أواق فهو عبد ، وأيما عبد كاتب على مائة دينار فأداها إلا عشرة فهو عبد . وعمدة من رأى أنه يعتق بنفس عقد الكتابة تشبيهه إياه بالبيع ، فكأن المكاتب اشترى نفسه من سيده ، فإن عجز لم يكن له إلا أن يتبعه بالمال ، كما لو أفلس من اشتراه منه إلى أجل وقد مات . وعمدة من رأى أنه يعتق منه بقدر ما أدى ما رواه يحيى بن كثير عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي ( ص ) قال : يؤدي المكاتب بقدر ما أدى دية حر وبقدر ما رق منه دية عبد خرجه النسائي ، والخلاف فيه من قبل عكرمة ، كما أن الخلاف في أحاديث عمرو بن شعيب من قبل أنه روى عن صحيفة ، وبهذا القول قال علي ، أعني بحديث ابن عباس . وروي عن عمر بن الخطاب أنه إذا أدى الشطر عتق . وكان ابن مسعود يقول : إذا أدى الثلث . وأقوال الصحابة وإن لم تكن حجة ، فالظاهر أن التقدير إذا صدر منهم أنه محمول على أن في ذلك سنة بلغتهم . وفي المسألة قول خامس : إذا أدى الثلاثة الأرباع عتق . وبقي عديما في باقي المال . وقد قيل إن أدى القيمة فهو غريم ، وهو قول عائشة وابن عمر وزيد بن ثابت ، والأشهر عن عمر وأم سلمة وهو قول الجمهور ، وقول هؤلاء هو الذي اعتمده فقهاء الأمصار ، وذلك أنه صحت الرواية في ذلك عنهم صحة لا شك فيها ، روى ذلك مالك في موطئه . وأيضا فهو أحوط لأموال السادات ، ولان المبيعات يرجع في عين المبيع له إذا أفلس المشتري .