ابن رشد
307
بداية المجتهد ونهاية المقتصد
بعضهم رأى أن السادة هم المخاطبون بهذه الآية ، ورأي بعضهم أنهم جماعة المسلمين ندبوا لعون المكاتبين ، والذين رأوا ذلك اختلفوا هل ذلك على الوجوب أو على الندب ؟ والذين قالوا بذلك اختلفوا في القدر الواجب ، فقال بعضهم : ما ينطلق عليه اسم شئ ، وبعضهم حده . وأما المكاتب ففيه مسائل : إحداها : هل تجوز كتابة المراهق ؟ وهل يجمع في الكتابة الواحدة أكثر من عبد واحد ؟ وهل تجوز كتابة من يملك في العبد بعضه بغير إذن شريكه ؟ وهل تجوز كتابة من لا يقدر على السعي ؟ وهل تجوز كتابة من فيه بقيه رق ؟ فأما كتابة المراهق القوي على السعي الذي لم يبلغ الحلم ، فأجازها أبو حنيفة ، ومنعها الشافعي إلا للبالغ ، وعن مالك القولان جميعا . فعمدة من اشترط البلوغ تشبيهها بسائر العقود . وعمدة من لم يشترطه أنه يجوز بين السيد وعبده ما لا يجوز بين الأجانب ، وأن المقصود من ذلك هو القوة على السعي ، وذلك موجود في غير البالغ . وأما هل يجمع في الكتابة الواحدة أكثر من عبد واحد ؟ فإن العلماء اختلفوا في ذلك ، ثم إذا قلنا بالجمع فهل يكون بعضهم حملاء عن بعض بنفس الكتابة حتى لا يعتق واحد منهم إلا بعتق جميعهم ؟ فيه أيضا خلاف . فأما هل يجوز الجمع ؟ فإن الجمهور على جواز ذلك ، ومنعه قوم ، وهو أحد قولي الشافعي . أما هل يكون بعضهم حملاء عن بعض ؟ فإن فيه لمن أجاز الجمع ثلاثة أقوال : فقالت طائفة : ذلك واجب بمطلق عقد الكتابة ، أعني حمالة بعضهم عن بعض ، وبه قال مالك وسفيان ، وقال آخرون : لا يلزمه ذلك بمطلق العقد ويلزم بالشرط ، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ، وقال الشافعي : لا يجوز ذلك لا بالشرط ولا بمطلق العقد ، ويعتق كل واحد منهم إذا أدى قدر حصته . فعمدة من منع الشركة ما في ذلك من الغرر ، لان قدر ما يلزم واحدا من ذلك مجهول . وعمدة من أجازه أن الغرر اليسير يستخف في الكتابة ، لأنه بين السيد وعبده ، والعبد وماله لسيده ، وأما مالك فحجته أنه لما كانت الكتابة واحدة وجب أن يكون حكمهم كحكم الشخص الواحد . وعمدة الشافعية أن حمالة بعضهم عن بعض لا فرق بينها وبين حمالة الأجنبيين فمن رأى حمالة الأجنبيين في الكتابة لا تجوز قال : لا تجوز في هذا الموضع . وإنما منعوا حمالة الكتابة لأنه إذا عجز المكاتب لم يكن للحميل شئ يرجع عليه ، وهذا كأنه ليس يظهر في حمالة العبيد بعضهم عن بعض ، وإنما الذي يظهر في ذلك أن هذا الشرط هو سبب لان يعجز من يقدر على السعي بعجز من لا يقدر عليه ، فهو غرر خاص بالكتابة ، إلا أن يقال أيضا : إن الجمع يكون سببا لان يخرج حرا من لا يقدر من نفسه أن يسعى حتى يخرج حرا فهو كما يعود برق من يقدر على السعي ، كذلك يعود بحرية من لا يقدر على السعي . وأما أبو حنيفة فشبهها بحمالة الأجنبي مع الأجنبي في الحقوق التي تجوز فيها الحمالة ، فألزمها بالشرط ، ولم يلزمها بغير شرط ، وهو مع هذا أيضا لا يجيز حمالة الكتابة . وأما العبد بين الشريكين فإن العلماء اختلفوا هل لأحدهما أن يكاتب نصيبه دون إذن