ابن رشد
270
بداية المجتهد ونهاية المقتصد
به وجه المخلوق . فأما الهبة لغير الثواب فلا خلاف في جوازها ، وإنما اختلفوا في أحكامها . وأما هبة الثواب فاختلفوا فيها ، فأجازها مالك وأبو حنيفة ، ومنعها الشافعي ، وبه قال داود وأبو ثور . وسبب الخلاف : هل هي بيع مجهول الثمن أوليس بيعا مجهول الثمن ؟ فمن رآه بيعا مجهول الثمن قال هو من بيوع الغرر التي لا تجوز ، ومن لم ير أنها بيع مجهول قال : يجوز . وكأن مالكا جعل العرف فيها بمنزلة الشرط وهو ثواب مثلها ، ولذلك اختلف القول عندهم إذا لم يرض الواهب بالثواب ما الحكم ؟ فقيل تلزمه الهبة إذا أعطاه الموهوب القيمة ، وقيل لا تلزمه إلا أن يرضيه ، وهو قول عمر على ما سيأتي بعد ، فإذا اشترط فيه الرضا فليس هنالك بيع انعقد ، والأول هو المشهور عن مالك . وأما إذا ألزم القيمة فهنالك بيع انعقد ، وإنما يحمل مالك الهبة على الثواب إذا اختلفوا في ذلك ، وخصوصا إذا دلت قرينة الحال على ذلك مثل أن يهب الفقير للغني ، أو لمن يرى أنه إنما قصد بذلك الثواب . وأما هبات المنافع فمنها ما هي مؤجلة ، وهذه تسمى عارية ومنحة وما أشبه ذلك ، ومنها ما يشترط فيها ما بقيت حياة الموهوب له هذه تسمى العمرى ، مثل أن يهب رجل رجلا سكنى دار ، حياته ، وهذه اختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال : أحدها : أنها هبة مبتوتة : أي أنها هبة للرقبة ، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأحمد وجماعة . والقول الثاني : أنه ليس للمعمر فيها إلا المنفعة ، فإذا مات عادت الرقبة للمعمر أو إلى ورثته ، وبه قال مالك وأصحابه ، وعنده أنه إن ذكر العقب عادت إذ انقطع العقب إلى المعمر أو إلى ورثته . والقول الثالث : أنه إذا قال : هي عمري لك ولعقبك كانت الرقبة ملكا للمعمر ، فإذا لم يذكر العقب عادت الرقبة بعد موت المعمر للمعمر أو لورثته ، وبه قال داود وأبو ثور . وسبب الخلاف : في هذا الباب اختلاف الآثار ومعارضة الشرط والعمل للأثر . أما الأثر ففي ذلك حديثان : أحدهما : متفق على صحته ، وهو ما رواه مالك عن جابر أن رسول الله ( ص ) قال : أيما رجل أعمر عمري له ولعقبه فإنها للذي يعطاها لا ترجع إلى الذي أعطاها أبدا لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث . والحديث الثاني : حديث أبي الزبير عن جابر قال : قال رسول الله ( ص ) : يا معشر الأنصار أمسكوا عليكم أموالكم ولا تعمروها فمن أعمر شيئا حياته فهو له حياته ومماته وقد روي عن جابر بلفظ آخر : لا تعمروا ولا ترقبوا فمن أعمر شيئا أو أرقبه فهو لورثته فحديث أبي الزبير عن جابر مخالف لشرط المعمر . وحديث مالك عنه مخالف أيضا لشرط المعمر إلا أنه يخيل أنه أقل في المخالفة ، وذلك أن ذكر العقب يوهم تبتيت العطية ، فمن غلب الحديث على الشرط قال بحديث أبي الزبير عن جابر ، وحديث مالك عن جابر ، ومن غلب الشرط قال بقول مالك ، وأما من قال إن العمرى تعود إلى المعمر إن لم يذكر العقب ، ولا تعود إن ذكر ، فإنه أخذ بظاهر الحديث . وأما حديث أبي الزبير عن جابر فمختلف فيه ، أعني رواية أبي الزبير عن جابر . وأما إذا أتى بلفظ الاسكان فقال : أسكنتك هذه الدار حياتك ، فالجمهور على أن الاسكان عندهم أو الاخدام بخلاف العمرى وإن لفظ بالعقب ،