ابن رشد
267
بداية المجتهد ونهاية المقتصد
كتاب الهبات والنظر في الهبة : في أركانها ، وفي شروطها ، وفي أنواعها ، وفي أحكامها . ونحن إنما نذكر من هذه الأجناس ما فيها من المسائل المشهورة . فنقول : أما الأركان فهي ثلاثة : الواهب ، والموهوب له ، والهبة . أما الواهب فإنهم اتفقوا على أنه تجوز هبته إذا كان مالكا للموهوب صحيح الملك ، وذلك إذا كان في حال الصحة وحال إطلاق اليد ، واختلفوا في حال المرض وفي حال السفه والفلس . وأما المريض فقال الجمهور : إنها في ثلثه تشبيها بالوصية ، أعني الهبة التامة بشروطها ، وقالت طائفة من السلف وجماعة أهل الظاهر : إن هبته تخرج من رأس ماله إذا مات ، ولا خلاف بينهم أنه إذا صح من مرضه أن الهبة صحيحة . وعمدة الجمهور حديث عمران بن حصين عن النبي عليه الصلاة والسلام : في الذي أعتق ستة أعبد عند موته ، فأمره رسول الله ( ص ) فأعتق ثلثهم وأرق الباقي وعمدة أهل الظاهر استصحاب الحال : أعني حال الاجماع ، وذلك أنهم لما اتفقوا على جواز هبته في الصحة وجب استصحاب حكم الاجماع في المرض إلا أن يدل الدليل من كتاب أو سنة بينة ، والحديث عندهم محمول على الوصية ، والأمراض التي يحجر فيها عند الجمهور هي الأمراض المخوفة ، وكذلك عند مالك الحالات المخوفة ، مثل الكون بين الصفين ، وقرب الحامل من وأما الأمراض المزمنة فليس عندهم الوضع ، وراكب البحر المرتج ، وفيه اختلاف فيها تحجير ، وقد تقدم هذا في كتاب الحجر . وأما السفهاء والمفلسون فلا خلاف عند من يقول بالحجر عليهم أن هبتهم غير ماضية . وأما الموهوب فكل شئ صح ملكه . واتفقوا على أن للانسان أن يهب جميع ماله للأجنبي . واختلفوا فتفضيل الرجل بعض ولده على بعض في الهبة ، أو في جميع ماله لبعضهم دون بعض ، فقال جمهور فقهاء الأمصار بكراهية ذلك له ، ولكن إذا وقع عندهم جاز ، وقال أهل الظاهر : لا يجوز التفضيل فضلا عن أن يهب جميع ماله ، وقال مالك : يجوز التفضيل ولا يجوز أن يهب بعضهم جميع المال دون بعض . ودليل أهل الظاهر حديث النعمان بن بشير ، وهو حديث متفق على صحته ، وإن كان قد اختلف في ألفاظه ، والحديث أنه قال : إن أباه بشيرا أتى به إلى رسول الله ( ص ) فقال : إني نحلت ابني هذا