ابن رشد
264
بداية المجتهد ونهاية المقتصد
من المرسل ، والأصول على أن على المعتدي الضمان ، ووجه من فرق بين المنفلت وغير المنفلت بين ، فإن المنفلت لا يملك . فسبب الخلاف في هذا الباب : معارضة الأصل للسمع ، ومعارضة السماع بعضه لبعض ، أعني أن الأصل يعارض جرح العجماء جبار ويعارض أيضا التفرقة التي في حديث البراء ، وكذلك التفرقة التي في حديث البراء تعارض أيضا قوله : جرح العجماء جبار . ومن مسائل هذا الباب المشهورة اختلافهم في حكم ما يصاب من أعضاء الحيوان ، فروي عن عمر بن الخطاب أنه قضى في عين الدابة بربع ثمنها ، وكتب إلى شريح فأمره بذلك ، وبه قال الكوفيون ، وقضى به عمر بن عبد العزيز ، وقال الشافعي ومالك : يلزم فيما أصيب من البهيمة ما نقص في ثمنها قياسا على التعدي في الأموال ، والكوفيون اعتمدوا في ذلك على قول عمر رضي الله عنه وقالوا : إذا قال الصاحب قولا ولا مخالف له من الصحابة وقوله مع هذا مخالف للقياس وجب العمل به لأنه يعلم أنه إنما صار إلى القول به من جهة التوقيف . فسبب الخلاف إذن : معارضة القياس لقول الصاحب . ومن هذا الباب اختلافهم في الجمل الصؤول وما أشبهه يخاف الرجل على نفسه فيقتله ، هل يجب عليه غرمه أم لا ؟ فقال مالك والشافعي : لا غرم عليه إذا بان أنه خافه على نفسه ، وقال أبو حنيفة والثوري : يضمن قيمته على كل حال . وعمدة من لم ير الضمان القياس على من قصد رجلا فأراد قتله ، فدافع المقصود عن نفسه فقتل في المدافعة القاصد المتعدي أنه ليس عليه قود ، وإذا كان ذلك في النفس كان في المال أحرى ، لان النفس أعظم حرمة من المال ، وقياسا أيضا على إهدار دم الصيد الحرمي إذا صال ، وتمسك به حذاق أصحاب الشافعي . وعمدة أبي حنيفة أن الأموال تضمن بالضرورة إليها ، أصله المضطر إلى طعام الغير ولا حرمة للبعير من جهة ما هو ذو نفس . ومن هذا الباب اختلافهم في المكرهة على الزنا ، هل على مكرهها مع الحد صداق أم لا ؟ فقال مالك والشافعي والليث : عليه الصداق والحد جميعا وقال أبو حنيفة والثوري : عليه الحد ولا صداق عليه ، وهو قول ابن شبرمة . وعمدة مالك أنه يجب عليه حقان : حق الله وحق للآدمي ، فلم يسقط أحدهما الآخر ، أصله السرقة التي يجب بها عندهم غرم المال والقطع . وأما من لم يوجب الصداق ، فتعلق في ذلك بمعنيين : أحدهما : أنه إذا اجتمع حقان : حق لله وحق للمخلوق سقط حق المخلوق لحق الله ، وهذا على رأي الكوفيين في أنه لا يجمع على السارق غرم وقطع . والمعنى الثاني : أن الصداق ليس مقابل البضع ، وإنما هو عبادة إذ كان النكاح شرعيا ، وإذا كان ذلك كذلك فلا صداق في النكاح الذي على غير الشرع . ومن مسائلهم المشهورة في هذا الباب من غصب أسطوانة فبنى عليها بناء يساوي قائما أضعاف قيمة الأسطوانة ، فقال مالك والشافعي : يحكم على الغاصب بالهدم ويأخذ المغصوب منه أسطوانته ، وقال أبو حنيفة : تفوت بالقيمة كقول مالك فيمن غير المغصوب بصناعة لها قيمة كثيرة ، وعند الشافعي لا يفوت المغصوب بشئ من الزيادة . وهنا انقضى هذا الكتاب .