ابن رشد
249
بداية المجتهد ونهاية المقتصد
الحديث ، فمن غلب الأصل قال : لا بد من البينة ، ومن غلب ظاهر الحديث قال : لا يحتاج إلى بينة . وإنما اشترط الشهادة في ذلك الشافعي وأبو حنيفة لان قوله عليه الصلاة والسلام : اعرف عفاصها ووكاءها فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها يحتمل أن يكون إنما أمره بذلك ليدفعها لصاحبها بالعفاص والوكاء ، فلما وقع الاحتمال وجب الرجوع إلى الأصل ، فإن الأصول لا تعارض بالاحتمالات المخالفة لها إلا أن تصبح الزيادة التي نذكرها بعد ، وعند مالك وأصحابه أن على صاحب اللقطة أن يصف مع العفاص والوكاء صفة الدنانير والعدد ، قالوا : وذلك موجود في بعض روايات الحديث ، ولفظه فإن جاء صاحبها ووصف عفاصها ووكاءها وعددها فادفعها إليه قالوا : لكن لا يضره الجهل بالعدد إذا عرف العفاص والوكاء . وكذلك إن زاد فيه . واختلفوا إن نقص من العدد على قولين . وكذلك اختلفوا إذا جهل الصفة وجاء بالعفاص والوكاء . وأما إذا غلط فيها فلا شئ له . وأما إذا عرف إحدى العلامتين اللتين وقع عليهما وجهل الأخرى فقيل إنه لا شئ له إلا بمعرفتهما جميعا ، وقيل يدفع إليه بعد الاستبراء . وقيل إن ادعى الجهالة استبرئ وإن غلط لم تدفع إليه . واختلف المذهب إذا أتى بالعلامة المستحقة هل يدفع إليه بيمين أو بغير يمين ؟ فقال ابن القاسم : بغير يمين . وقال أشهب : بيمين . وأما ضالة الغنم . فإن العلماء اتفقوا على أن لواجد ضالة الغنم في المكان القفر البعيد من العمران أن يأكلها لقوله عليه الصلاة والسلام في الشاة : هي لك أو لأخيك أو للذئب واختلفوا هل يضمن قيمتها لصاحبها أم لا ؟ فقال جمهور العلماء : إنه يضمن قيمتها ، وقال مالك في أشهر الأقاويل عنه : إنه لا يضمن . وسبب الخلاف : معارضة الظاهر كما قلنا للأصل المعلوم من الشريعة ، إلا أن مالكا هنا غلب الظاهر فجرى على حكم الظاهر ، ولم يجز كذلك التصرف فيما وجب تعريفه بعد العام لقوة اللفظ ههنا . وعنه رواية أخرى أنه يضمن . وكذلك كل طعام لا يبقى إذا خشي عليه التلف إن تركه . وتحصيل مذهب مالك عند أصحابه في ذلك أنها على ثلاثة أقسام : قسم يبقى في يد ملتقطه ويخشى عليه التلف إن ترك كالشاة في القفر ، والطعام الذي يسرع إليه الفساد . وقسم لا يخشى عليه التلف . فأما القسم الأول : وهو ما يبقى في يد ملتقطه ويخشى عليه التلف . فإنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام : أحدها : أن يكون يسيرا لا بال له ولا قدر لقيمته ويعلم أن صاحبه لا يطلبه لتفاهته ، فهذا لا يعرف عنده وهو لمن وجده . والأصل في ذلك ما روي : أن رسول الله ( ص ) مر بتمرة في الطريق فقال : لولا أن تكون من الصدقة لأكلتها ولم يذكر فيها تعريفا ، وهذا مثل العصا والسوط ، وإن كان أشهب قد استحسن تعريف ذلك . والثاني : أن يكون يسيرا إلا أن له قدرا ومنفعة ، فهذا لا خلاف في المذهب في تعريفه .