ابن رشد

195

بداية المجتهد ونهاية المقتصد

رب المال ، شبهه بالوكيل ، إلا أنه قال : يكون رأس المال في ذلك القراض الثمنين ، ولا يقتسمان الربح إلا بعد حصوله عينا : أعني ثمن تلك السلعة التي تلفت أولا ، والثمن الثاني الذي لزمه بعد ذلك . واختلفوا في بيع العامل من رب المال بعض سلع القراض ، فكره ذلك مالك ، وأجازه أبو حنيفة على الاطلاق ، وأجازه الشافعي بشرط أن يكونا قد تبايعا بما لا يتغابن الناس بمثله . ووجهه ما كره من ذلك مالك أن يكون يرخص له في السلعة من أجل ما قارضه ، فكأن رب المال أخذ من العامل منفعة سوى الربح الذي اشترط عليه . ولا أعرف خلافا بين فقهاء الأمصار أنه إن تكارى العامل على السلع إلى بلد فاستغرق الكراء قيم السلع وفضل عليه فضلة أنها على العامل لا على رب المال ، لان رب المال إنما دفع ماله إليه ليتجر به ، فما كان من خسران في المال فعليه ، وكذلك ما زاد على المال واستغرقه . واختلفوا في العامل يستدين مالا فيتجر به مع مال القراض ، فقال مالك : ذلك لا يجوز ، وقال الشافعي وأبو حنيفة : ذلك جائز ، ويكون الربح بينهما على شرطهما وحجة مالك أنه كما لا يجوز أن يستدين على المقارضة ، كذلك لا يجوز أن يأخذ دينا فيها . واختلفوا هل للعامل أن يبيع بالدين إذا لم يأمره به رب المال ؟ فقال مالك : ليس له ذلك ، فإن فعل ضمن ، وبه قال الشافعي ، وقال أبو حنيفة : له ذلك . والجميع متفقون على أن العامل إنما يجب له أن يتصرف في عقد القراض ما يتصرف فيه الناس غالبا في أكثر الأحوال ، فمن رأى أن التصرف بالدين خارج عما يتصرف فيه الناس في الأغلب لم يجزه ، ومن رأى أنه مما يتصرف فيه الناس أجازه . واختلف مالك والشافعي وأبو حنيفة والليث في العامل يخلط ماله بمال القراض من غير إذن رب المال ، فقال هؤلاء كلهم ما عدا مالكا : هو تعد ويضمن ، وقال مالك : ليس بتعد . ولم يختلف هؤلاء المشاهير من فقهاء الأمصار أنه إن دفع العامل رأس مال القراض إلى مقارض آخر أنه ضامن إن كان خسران ، وإن كان ربح فذلك على شرطه ، ثم يكون للذي عمل شرطه على الذي دفع إليه ، فيوفيه حظه مما بقي من المال ، وقال المزني عن الشافعي : ليس له إلا أجرة مثله ، لأنه عمل على فساد . القول في حكم القراض الفاسد واتفقوا على أن حكم القراض الفاسد فسخه ورد المال إلى صاحبه ما لم يفت بالعمل . واختلفوا إذا فات بالعمل ما يكون للعامل فيه في واجب عمله على أقوال : أحدها : أنه يرد جميعه إلى قراض مثله ، وهي رواية ابن الماجشون عن مالك ، وهو قوله وقول أشهب . والثاني : أنه يرد جميعه إلى إجارة مثله ، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وعبد العزيز بن أبي سلمة من أصحاب مالك ، وحكى عبد الوهاب أنها رواية عن مالك . والثالث : أنه يرد إلى قراض مثله ما لم يكن أكثر مما سماه ، وإنما له الأقل مما سمى أو قراض مثله إن كان رب المال هو مشترط الشرط على المقارض ، أو الأكثر من قراض مثله ، أو من الجزء الذي سمي له إن كان المقارض هو مشترط الشرط الذي يقتضي الزيادة التي من قبلها فسد القراض ، وهذا القول يتخرج رواية عن