ابن رشد
185
بداية المجتهد ونهاية المقتصد
الثمن بنفس العقد . فمالك رأى أن الثمن إنما يستحق منه بقدر ما يقبض من العوض ، والشافعي كأنه رأى أن تأخره من باب الدين بالدين . ومن ذلك اختلافهم فيمن اكترى دابة أو دارا وما أشبه ذلك ، هل له أن يكري ذلك بأكثر مما اكتراه ؟ فأجازه مالك والشافعي وجماعة قياسا على البيع ، ومنع ذلك أبو حنيفة وأصحابه . وعمدتهم أنه من باب ربح ما لم يضمن ، لان ضمان الأصل هو من ربه : أعني من المكري . وأيضا فإنه من باب بيع ما لم يقبض ، وأجاز ذلك بعض العلماء إذا أحدث فيها عملا . وممن لم يكره ذلك إذا وقع بهذه الصفة سفيان الثوري ، والجمهور رأوا أن الإجارة في هذا شبيهة بالبيع . ومنها أن يكري الدار من الذي أكراها منه ، فقال مالك : يجوز ، وقال أبو حنيفة : لا يجوز ، وكأنه رأى أنه إذا كان التفاضل بينهما في الكراء فهو من باب أكل المال بالباطل . ومنها إذا اكترى أرضا ليزرعها حنطة فأراد أن يزرعها شعيرا أو ما ضرره مثل ضرر الحنطة أو دونه ، فقال مالك : له ذلك ، وقال داود : ليس له ذلك . ومنها اختلافهم في كنس مراحيض الدور المكتراة ، فالمشهور عن ابن القاسم أنه على أرباب الدور ، وروي عنه أنه على المكتري ، وبه قال الشافعي ، واستثنى ابن القاسم من هذه الفنادق التي تدخلها قوم وتخرج قوم فقال : الكنس في هذه على رب الدار . ومنها اختلاف أصحاب مالك في الانهدام اليسير من الدار ، هل يلزم رب الدار إصلاحه ، أم ليس يلزم ؟ وينحط عنه من الكراء ذلك القدر ؟ فقال ابن القاسم : لا يلزمه ، وقال غيره من أصحابه يلزمه . وفروع هذا الباب كثيرة ، وليس قصدنا التفريع في هذا الكتاب . الجملة الثانية : وهي النظر في أحكام الطوارئ الفصل الأول منه : وهو النظر في الفسوخ فنقول : إن الفقهاء اختلفوا في عقد الإجارة ، فذهب الجمهور إلى أنه عقد لازم ، وحكي عن قوم أنه عقد جائز تشبيها بالجعل والشركة . والذين قالوا إنه عقد لازم اختلفوا فيما ينفسخ به ، فذهب جماعة فقهاء الأمصار : مالك والشافعي وسفيان الثوري وأبو ثور وغيرهم إلى أنه لا ينفسخ إلا بما تنفسخ به العقود اللازمة من وجود العيب بها أو ذهاب محل استيفاء المنفعة . وقال أبو حنيفة وأصحابه : يجوز فسخ عقد الإجارة للعذر الطارئ على المستأجر ، مثل أن يكري دكانا يتجر فيه فيحترق متاعه أو يسرق . وعمدة الجمهور قوله تعالى : * ( أوفوا بالعقود ) * لان الكراء عقد على منافع فأشبه النكاح ، ولأنه عقد على معارضة فلم ينفسخ أصله البيع . وعمدة أبي حنيفة أنه شبه ذهاب ما به تستوفي المنفعة بذهاب العين التي فيها المنفعة . وقد اختلف قول مالك إذا كان الكراء في غير مخصوص