ابن رشد

162

بداية المجتهد ونهاية المقتصد

كتاب السلم وفي هذا الكتاب ثلاثة أبواب : الباب الأول : في محله وشروطه . الباب الثاني : فيما يجوز أن يقتضي من المسلم إليه بدل ما انعقد عليه السلام ، وما يعرض في ذلك من الإقالة والتعجيل والتأخير . الباب الثالث : في اختلافهم في السلم . الباب الأول : في محله وشرطه أما محله : فإنهم أجمعوا على جوازه في كل ما يكال أو يوزن لمثبت من حديث ابن عباس المشهور قال : قدم النبي ( ص ) المدينة وهم يسلمون في التمر السنتين والثلاث ، فقال رسول الله ( ص ) : من أسلف فليسلف في ثمن معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم واتفقوا على امتناعه فيما لا يثبت في الذمة ، وهو الدور والعقار . وأما سائر ذلك من العروض والحيوان فاختلفوا فيها ، فمنع ذلك داود وطائفة من أهل الظاهر مصيرا إلى ظاهر هذا الحديث . والجمهور على أنه جائز في العروض التي تنضبط بالصفة والعدد . واختلفوا من ذلك فيما ينضبط مما لا ينضبط بالصفة ، فمن ذلك الحيوان والرقيق ، فذهب مالك والشافعي والأوزاعي والليث إلى أن السلم فيهما جائز ، وهو قول ابن عمر من الصحابة . وقال أبو حنيفة والثوري وأهل العراق : لا يجوز السلم في الحيوان ، وهو قول ابن مسعود . وعن عمر في ذلك قولان . وعمدة أهل العراق في ذلك ما روي عن ابن عباس أن النبي ( ص ) نهى عن السلف في الحيوان وهذا الحديث ضعيف عند الفريق الأول . وربما احتجوا أيضا بنهيه عليه الصلاة والسلام عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة . وعمدة من أجاز السلم في الحيوان ما روي عن ابن عمر أن رسول الله ( ص ) أمره أن يجهز جيشا ، فنفدت الإبل ، فأمره أن يأخذ على قلاص الصدقة ، فأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة وحديث أبي رافع أيضا أن النبي ( ص ) استسلف بكرا قالوا : وهذا كله يدل على ثبوته في الذمة . فسبب اختلافهم : شيئان : أحدهما : تعارض الآثار في هذا المعنى . والثاني : تردد الحيوان بين أن يضبط بالصفة أو لا يضبط ، فمن نظر إلى تباين الحيوان في الخلق والصفات وبخاصة صفات النفس قال : لا تنضبط . ومن نظر إلى تشابهها قال : تنضبط . ومنها اختلافهم في البيض والدر وغير ذلك ، فلم يجز أبو حنيفة السلم في البيض وأجازه مالك