ابن رشد

13

بداية المجتهد ونهاية المقتصد

وحاجة البنت إلى النكاح إما لعدم النفقة ، وإما لما يخاف عليها من عدم الصون . وإما للامرين جميعا ، فاتفق المذهب على أنه إذا كانت الغيبة بعيدة أو كان الأب مجهول الوضع أو أسيرا وكانت في صون وتحت نفقة ، أنها إن لم تدع إلى التزويج لا تزوج وإن دعت فتزوج عند الأسر وعند الجهل بمكانه . واختلفوا هل تزوج مع العلم بمكانه أم لا إذا كان بعيدا ، فقيل تزوج وهو قول مالك ، وقيل لا تزوج ، وهو قول عبد الملك وابن وهب . وأما إن عدمت النفقة أو كانت في غير صون فإنها تزوج أيضا في هذه الأحوال الثلاثة : أعني في الغيبة البعيدة ، وفي الأسر ، والجهل بمكانه ، وكذلك إن اجتمع الأمران فإذا كانت في غير صون تزوج وإن لم تدع إلى ذلك ، ولم يختلفوا فيما أحسب أنها لا تزوج في الغيبة القريبة المعلومة لمكان إمكان مخاطبته ، وليس يبعد بحسب النظر المصلحي الذي انبنى عليه هذا النظر أن يقال إن ضاق الوقت وخشي السلطان عليها الفساد زوجت وإن كان الموضع قريبا . وإذا قلنا إنه تجوز ولاية الأبعد مع حضور الأقرب ، فإن جعلت امرأة أمرها إلى وليين فزوجها كل واحد منهما ، فإنه لا يخلو أن يكون تقدم أحدهما في العقد على الآخر أو يكونا عقدا معا ، ثم لا يخلو ذلك من أن يعلم المتقدم أو لا يعلم ، فأما إذا علم المتقدم منهما فأجمعوا على أنها للأول إذا لم يدخل بها واحد منهما واختلفوا إذا دخل الثاني ، فقال قوم : هي للأول ، وقال قوم هي للثاني ، وهو قول مالك وابن القاسم ، وبالأول قال الشافعي وابن عبد الحكم ، وأما إن أنكحاها معا فلا خلاف في فسخ النكاح فيما أعرف . وسبب الخلاف : في اعتبار الدخول أولا اعتباره معارضة العموم للقياس ، وذلك أنه قد روي أنه عليه الصلاة والسلام قال : أيما امرأة أنكحها وليان فهي للأول منهما فعموم هذا الحديث يقتضي أنها للأول دخل بها الثاني أو لم يدخل ، ومن اعتبر الدخول فتشبيها بفوات السلعة في البيع المكروه وهو ضعيف . وأما إن لم يعلم الأول فإن الجمهور على الفسخ ، وقال مالك : يفسخ ما لم يدخل أحدهما ، وقال شريح : تخير فأيهما اختار ت كان هو الزوج ، وهو شاذ ، وقد روي عن عمر بن عبد العزيز . الموضع الرابع : في عضل الأولياء : واتفقوا على أنه ليس للولي أن يعضل وليته إذا دعت إلى كفء وبصداق مثلها وأنها ترفع أمرها إلى السلطان فيزوجها ما عدا الأب ، فإنه اختلف فيه المذهب . واختلفوا بعد هذا الاتفاق فيما هي الكفاءة المعتبرة في ذلك وهل صداق المثل منها أم لا ؟ وكذلك اتفقوا على أن للمرأة أن تمنع نفسها من إنكاح من له من الأولياء جبرها إذا لم تكن فيها الكفاءة موجودة كالأب في ابنته البكر ، أما غير البالغ باتفاق ، والبالغ والثيب الصغيرة باختلاف على ما تقدم ، وكذلك الوصي في محجوره على القول بالجبر . فأما الكفاءة فإنهم اتفقوا على أن الدين معتبر في ذلك إلا ما روي عن محمد بن الحسن من اسقاط اعتبار الدين ، ولم يختلف المذهب أن البكر إذا زوجها الأب من شارب الخمر وبالجملة من فاسق أن لها أن تمنع نفسها من النكاح وينظر الحاكم في