ابن رشد
122
بداية المجتهد ونهاية المقتصد
فالجمهور يحملون جواز بيع الثمار بالشرط قبل الازهاء على الخصوص : أعني إذا بيع الثمر مع الأصل . وأما شراء الثمر مطلقا بعد الزهو فلا خلاف فيه ، والاطلاق فيه عند جمهور فقهاء الأمصار يقتضي التبقية ، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام : أرأيت إن منع الله الثمرة . . . الحديث . ووجه الدليل منه أن الجوائح إنما تطرأ في الأكثر على الثمار قبل بدو الصلاح ، وأما بعد بدو الصلاح فلا تظهر إلا قليلا ، ولو لم يجب في المبيع بشرط التبقية لم يكن هنالك جائحة تتوقع ، وكان هذا الشرط باطلا . وأما الحنفية فلا يجوز عندهم بيع الثمر بشرط التبقية ، والاطلاق عندهم كما قلنا محمول على القطع ، وهو خلاف مفهوم الحديث ، وحجتهم أن نفس بيع الشئ يقتضي تسليمه وإلا لحقه الغرر ، ولذلك لم يجز أن تباع الأعيان إلى أجل . والجمهور على أن بيع الثمار مستثنى من بيع الأعيان إلى أجل لكون الثمر ليس يمكن أن ييبس كله دفعة ، فالكوفيون خالفوا الجمهور في بيع الثمار في موضعين : أحدهما : في جواز بيعها قبل أن تزهى . والثاني : في منع تبقيتها بالشرط بعد الازهاء أو بمطلق العقد ، وخلافهم في الموضع الأول أقوى من خلافهم في الموضع الثاني : أعني في شرط القطع وإن أزهى ، وإنما كان خلافهم في الموضع الأول أقرب لأنه من باب الجمع بين حديثي ابن عمر المتقدمين ، لان ذلك أيضا مروي عن عمر بن الخطاب وابن الزبير ، وأما بدو الصلاح الذي جوز رسول الله ( ص ) البيع بعده ، فهو أن يصفر فيه البسر ويسود فيه العنب إن كان مما يسود ، وبالجملة أن تظهر في الثمر صفة الطيب ، هذا هو قول جماعة فقهاء الأمصار ، لما رواه مالك عن حميد عن أنس أنه ( ص ) سئل عن قوله حتى يزهى ، فقال : حتى يحمر وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن بيع العنب حتى يسود ، والحب حتى يشتد . وكان زيد بن ثابت في رواية مالك عنه لا يبيع ثماره حتى تطلع الثريا ، وذلك لاثنتي عشرة ليلة خلت من أيار وهو مايو ، وهو قول ابن عمر أيضا سئل عن قول رسول الله ( ص ) إنه نهى عن بيع الثمار حتى تنجو من العاهات ، فقال عبد الله وأما الأنواع المتقاربة الطيب فيجوز عنده