ابن رشد

106

بداية المجتهد ونهاية المقتصد

باب الخاص أريد به الخاص . وأما الجمهور من فقهاء الأمصار ، فإنهم اتفقوا على أنه من باب الخاص أريد به العام ، واختلفوا في المعنى العام الذي وقع التنبيه عليه بهذه الأصناف : أعني في مفهوم علة التفاضل ومنع النساء فيها . فالذي استقر عليه حذاق المالكية أن سبب منع التفاضل أما في الأربعة ، فالصنف الواحد من المدخر المقتات ، وقد قيل الصنف الواحد المدخر وإن لم يكن مقتاتا . ومن شرط الادخار عندهم أن يكون في الأكثر ، وقال بعض أصحابه : الربا في الصنف المدخر وإن كان نادر الادخار . وأما العلة عندهم في منع التفاضل في الذهب والفضة فهو الصنف الواحد أيضا مع كونهما رؤوسا للأثمان وقيما للمتلفات ، وهذه العلة هي التي تعرف عندهم بالقاصرة ، لأنها ليست موجودة عندهم في غير الذهب والفضة . أما علة منع النساء عند المالكية في الأربعة المنصوص عليها فهو الطعم والادخار دون اتفاق الصنف ، ولذلك إذا اختلفت أصنافها جاز عندهم التفاضل دون النسيئة ، ولذلك يجوز التفاضل عندهم في المطعومات التي ليست مدخرة أعني في الصنف الواحد منها ، ولا يجوز النساء . أما جواز التفاضل ، فلكونها ليست مدخرة ، وقد قيل إن الادخار شرط في تحريم التفاضل في الصنف الواحد . وأما منع النساء فيها فلكونها مطعومة مدخرة ، وقد قلنا إن الطعم بإطلاق علة لمنع النساء في المطعومات . وأما الشافعية فعلة منع التفاضل عندهم في هذه الأربعة هو الطعم فقط مع اتفاق الصنف الواحد . وأما علة النساء فالطعم دون اعتبار الصنف مثل قول مالك ، وأما الحنفية فعلة منع التفاضل عندهم في الستة واحدة وهو الكيل أو الوزن مع اتفاق الصنف ، وعلة النساء فيها اختلاف الصنف ما عدا النحاس والذهب ، فإن الاجماع انعقد على أنه يجوز فيها النساء ، ووافق الشافعي مالكا في علة منع التفاضل والنساء في الذهب والفضة ، أعني أن كونهما رؤوسا للأثمان وقيما للمتلفات هو عندهم علة مع النسيئة إذا اختلف الصنف ، فإذا اتفقا منع التفاضل . والحنفية تعتبر في المكيل قدرا يتأتى فيه الكيل ، وسيأتي أحكام الدنانير والدراهم بما يخصها في كتاب الصرف ، وأما ههنا فالمقصود هو تبيين مذاهب الفقهاء في علل الربا المطلق في هذه الأشياء ، وذكر عمدة دليل كل فريق منهم ، فنقول : إن الذين قصروا صنف الربا على هذه الأصناف الستة فهم أحد صنفين : إما قوم نفوا القياس في الشرع : أعني استنباط العلل من الألفاظ وهم الظاهرية ، وإما قوم نفوا قياس الشبه وذلك أن جميع من ألحق المسكوت عنه ههنا بالمنطوق به ، فإنما ألحقه بقياس الشبه لا بقياس العلة ، إلا ما حكي عن ابن الماجشون أنه اعتبر في ذلك المالية وقال : علة منع الربا إنما هي حياطة الأموال ، يريد منع العين . وأما القاضي أبو بكر الباقلاني فلما كان قياس الشبه عنده ضعيفا ، وكان قياس المعنى عنده أقوى منه اعتبر في هذا الموضع قياس المعنى ، إذ لم يتأت له قياس علة ، فألحق الزبيب فقط بهذه الأصناف الأربعة ، لأنه زعم أنه في معنى التمر . ولكل واحد من هؤلاء : أعني من القائلين دليل في استنباط الشبه الذي اعتبره في إلحاق المسكوت