محمد بن عبد المنعم الحميري
59
الروض المعطار في خبر الأقطار
والمملكة بمدينة رومية ، وروي أن المرأة التي قتلت يحيى بن زكريا عليه السلام من إشبيلية من قرية طالقة . وهي كبيرة عامرة لها أسوار حصينة وسوقها عامرة وخلقها كثير وأهلها مياسير ، وجل تجاراتهم الزيت يتجهزون به إلى المشرق والمغرب براً وبحراً ، يجتمع هذا الزيت من الشرف ، وهو مسافة أربعين ميلاً كلها في ظل شجر الزيتون والتين ، أوله مدينة إشبيلية وآخره مدينة لبلة ، وسعته اثنا عشر ميلاً وفيه ثمانية آلاف قرية عامرة بالحمامات والديار الحسنة ، وبين الشرف واشبيلية ثلاثة أميال . ومدينة إشبيلية موفية على النهر وهو في غربيها . ويذكر في بعض الأخبار أن اشبان بن طيطش من ذرية طوبيل بن يافث بن نوح كان أحد أملاك الاشبانيين خص بملك أكثر الدنيا وإن بدء ظهوره كان من إشبيلية فغلظ أمره وبعد صيته وتمكن في كل ناحية سلطانه ، فلما ملك نواحي الأندلس وطاعت له أقاصي البلاد خرج في السفن من إشبيلية إلى إيليا فغنمها وهدمها وقتل بها من اليهود مائة ألف وسبى مائة ألف وفرق في الأرض مائة ألف ، وانتقل رخامها إلى إشبيلية وماردة وباجة ، وانه صاحب المائدة التي ألفيت بطليطلة وصاحب الحجر الذي وجد بماردة وصاحب قليلة الجوهر التي كانت بماردة أيضاً على حسب ما ذكر في فتح الأندلس ، وأنه حضر خراب بيت المقدس الأول مع بخت نصر وحضر الخراب الذي كان مع قيصر بشبشيان ، واذريان قيصر يذكر أنه من طالقة إشبيلية . وفي سنة عشرين من دولته اتفق بنيان إيليا ، وكان من مضى من ملوك الأعاجم يتداولون بمسكنهم أربعة من مدن الأندلس : إشبيلية وماردة وقرطبة وطليطلة ، ويقسمون أزمانهم على الكينونة بها . وكان سور إشبيلية من بناء الإمام عبد الرحمن بن الحكم بناه بعد غلبة المجوس عليها بالحجر ، وأحكم بناءها ، وكذلك جامعها من بنائه ، وهو من عجيب البنيان وجليلها ، وصومعته بديعة الصناعة غريبة العمل ، أركانها الأربعة عمود فوق عمود ، إلى أعلاها ، في كل ركن ثلاثة أعمدة فلما مات عبد الرحمن بن إبراهيم بن حجاج في محرم سنة إحدى وثلاثمائة قدم أهلها أحمد بن مسلمة وكان من أهل البأس والنجدة فأظهر العناد وجاهر بالخلاف ، فأخرج إليه عبد الرحمن قائداً بعد قائد حتى افتتحها عليه بدر الحاجب سنة إحدى وثلاثمائة واستعمل عليها سعيد بن المنذر المعروف بابن السليم ، فهدم سورها وألحق أعاليه بأسفله وبنى القصر القديم المعروف بدار الإمارة وحصنه بسور حجر رفيع وأبواب منيعة ، وبني سور المدينة في الفتنة بالتراب . وباشبيلية آثار للأول كثيرة ، وبها أساطين عظام تدل على هياكل كانت بها . واشبيلية من الكور المجندة ، نزلها جند حمص ولواؤهم في الميمنة بعد لواء جند دمشق ، وهي من أمصار الأندلس الجليلة الكثيرة المنافع العظيمة الفوائد . ويطل على إشبيلية جبل الشرف ، وهو شريف البقعة كريم التربة دائم الخضرة ، فراسخ في فراسخ طولاً وعرضاً لا تكاد تشمس منه بقعة لالتفاف زيتونه واشتباك غصونه ، وزيته أطيب الزيوت كثير الرفع عند العصر لا يتغير على طول الدهر ، ومن هناك يتجهز به إلى الآفاق براً وبحراً . وكل ما استودع أرض إشبيلية وغرس فيها نمى وزكا وجل ، والقطن يجود بأرضها ويعم بلاد الأندلس ويتجهز به التجار إلى إفريقية وسجلماسة وما والاها ، وكذلك العصفر بها يفضل عصفر الآفاق . وبقبلي مدينة إشبيلية بساتين تعرف بجنات المصلى وبها قصب السكر ، وفي آخر نهر إشبيلية من كلتا جانبيه جزائر كثيرة يحيط بها الماء كلأها قائم لا يصوح لدوام ندوتها ورطوبة أرضها ، ويصلح نتاجها وتدوم ألبانها ويمتنع ما فيها من الحافر والظلف على العدو فلا يصل إليه أحد ، وهذه الجزائر تعرف بالمدائن وبعضها يقرب من البحر . وفي سنة سبع وتسعين وخمسمائة في جماداها الآخر كان السيل العظيم الجارف بإشبيلية المربي على كل سيل وهو مذكور في الثاني من " جالي الفكر " في أول ورقة منه سنة سبع وتسعين وخمسمائة فانقله من هناك .