محمد بن عبد المنعم الحميري
43
الروض المعطار في خبر الأقطار
فاستجلبه من العراق فأقبل إلى الأندلس ، فلما وصل إلى المرية مات الحكم فانعكس أمله وبقي حائراً ، وكان مقلاً ثم نهض إلى قرطبة حضرة السلطان ونشر بها علمه ، فشرق فقهاؤها بمكانه وبقي مدة مضاعاً حتى هم بالانصراف إلى المشرق ، ثم علق بحبل محمد بن أبي عامر قيم الدولة الهشامية وكان عرف مكانه في العلم وبعد أثره فيه ، فرغب في اصطناعه وأجرى عليه الرزق فنعشه به ثم أخرج أمر السلطان بتقديمه للشورى ثم ولي قضاء سرقسطة ، وكان من حفاظ مذهب مالك إلا أنه على مذهب العراقيين من أصحابه ، ومن تواليفه " الدلائل على أمهات المسايل " توفي سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة على أثر موت ابن أبي عامر . أصبهان : ليست هذه الباء بخالصة ولذلك يكتبها بعض الناس بالفاء وهي مكسورة الأول ، سميت بأصبهان بن نوح وهو الذي بناها ، وقيل سميت أصبهان لأن أصبه بلسان الفرس البلد وهان الفرس ، معناه بلد الفرسان . ولم يكن يحمل لواء الملك منهم إلا أهل أصبهان لنجدتهم وكانوا معروفين بالفروسية والبأس ، وهي من بلاد فارس ، وهما مدينتان بينهما مقدار ميلين إحداهما تعرف باليهودية وهي أكبرهما ، والثانية تعرف شهرستان وفي كل واحد منهما منبر ، واليهودية مثلاً شهرستان في المساحة ، وهما أخصب مدن الجبال وخراسان . وذكر ابن سعيد أن أصبهان اثنتا عشرة مدينة بعضها قريب من بعض والمتميزة منها بالشهرة جي وشهرستان واليهودية . وكان الططر قد قاسوا عليها زحوفاً لم يقاسوها على غيرها من بلاد الإسلام إلى أن نشأ بين رئيس الشفعوية ورئيس الحنفية فتنة فقتل الشفعوي الحنفي وسما ابن الحنفي لطلب الثأر فسار إلى الططر وضمن لهم أن الحنفية معه ، فأرسلوا معه جمعاً عظيماً فكان ذلك سبباً لأن غلبوا عليها فأبقوا على الحنفية وأفنوا الشفعوية وهدموا ديارهم وأحرقوا أملاكهم . وكور أصبهان ثمانون فرسخاً في مثلها وهي بضعة عشر رستاقاً ، والرستاق الإقليم بلغتهم ، وفي كل رستاق ثلاثمائة وستون قرية ، وليس بالعراق إلى خراسان بعد الري مدينة أكبر من أصبهان ومنها يرتفع العتابي والوشي وسائر ثياب الإبريسم والقطن إلى الآفاق ، وبقرب أصبهان معدن الكحل وهو الإثمد مصاقب لفارس ، ومن أصبهان يتجهز به إلى كل بلد ومدينة أصبهان أكثر البلاد يهوداً ، وفي الخبر : يتبع الدجال من مدينة أصبهان أكثر من أربعين ألفاً عليهم الطيالسة . ومن أهل أصبهان داود بن علي بن خلف الأصبهاني قيل كان في مجلسه أربعمائة صاحب طيلسان أخضر ، وكان من المتعصبين للشافعي ، وصنف كتابين في فضائله ، وإليه انتهت رياسة العلم ببغداد . ومنها أيضاً أبو الفرج الأصبهاني صاحب الكتاب الكبير في الأغاني كان عالماً حافظاً . وبأصبهان لقي قحطبة أحد أكابر قواد السفاح عامر بن ضبارة فقتله في سنة إحدى وثلاثين ومائة وكان في مائة ألف وخمسين ألفاً ، وكان قحطبة في اثنين وثلاثين ألفاً فبلغت عدد الرؤوس من السبي التي جمعت لقحطبة من أصحابه عشرين ألفاً وصار في يديه من ذراريهم عشرون ألفاً إلى غير ذلك من الأمور الجليلة . إصطخر : مدينة من كور فارس ولها نواح ، وهي مدينة كبيرة جليلة كثيرة الأرزاق والتجارات بناؤها بالطين والحجارة والجص ، وهي أقدم مدن فارس وأشهرها اسماً ، وكانت دار ملوكها إلى أن ولي ازدشير الملك فنقل ملكهم إلى جور وجعلها دار الملك . ويروى أن سليمان عليه السلام كان يسير من طبرية إليها في غدوة أو عشوة ، وبها مسجد يعرف به ، وباصطخر قنطرة تسمى قنطرة خراسان وهي قنطرة حسنة ، وخارج القنطرة أبنية ومساكن بنيت في عهد الإسلام ، ومن إصطخر إلى شيراز ستة وثلاثين ميلاً ، وهواء إصطخر فاسد وخيم ، وبها تفاح يكون نصف التفاحة حلواً صادق الحلاوة والنصف الآخر حامضاً صادق الحموضة وفي الأخبار المشهورة التي ينقلها الناس أن سليمان عليه السلام كان يغدو من إصطخر فيتغدى ببيت المقدس ويروح من بيت المقدس فيتعشى بإصطخر ، وذكر أن منزلاً بناحية دجلة مكتوب فيه : نحن نزلناه وما بنيناه ومبنياً وجدناه عدونا من إصطخر نقلناه ونحن رائحون فآتون الشام إن شاء الله تعالى . وكان بإصطخر بيت نار معظم والناس يذكرون أنه مسجد