محمد بن عبد المنعم الحميري
249
الروض المعطار في خبر الأقطار
فأخبرا أهلها بالظفر ، وسبق غلام من بني سعيد إلى البصرة فأتى الأحنف فأخبره حتى انتهى إلى أمر المهلب وما صنع ، فبكى الأحنف وقال : يا ابن أخي هلك المهلب وهلك أهل المصرين ، فقال الغلام : عهدي والله بعبيد الله وعثمان ابني الماحوز قتيلين ، إن الرائد لا يكذب أهله ، قال : دعني من الظفر وأخبرني عن أخي المهلب ، وكيف كان أمركم ، فقال الغلام : نعم ، أطبقت الحرب علينا يوماً وليلة لا تثني حداً ولا تزايل منكباً يموج بعضنا ببعض ، ونادى مناد : قتل المهلب ، فانجلت الغياية عن ابني الماحوز قتيلين في حماة القوم ، وبقوا بغير أمير فولوا أمرهم قطرياً ، وبقيت بقية وهم قل ، ونظرت إلى السيوف قد طيرت قلنسوة المهلب عن رأسه مخضباً بالدماء ، فلما رأينا وجهه جهرنا بالتكبير ، وتركت رؤوس الخوارج تنغف وهي إليك سراع وأنا منصفك : إن كنت صادقاً فلي حكمي وإن كنت كاذباً فتحكموا في ، فقال الأحنف : ما أظنك إلا كاذباً ، والقصة أطول من هذا . الدينور : مدينة من كور الجبل ما بين الموصل وأذربيجان ، وهي في قبلة همذان ، وهي كثيرة الثمار والزروع والبساتين والمياه حصينة ، وأهلها أكرم جبلة من أهل همذان ، وعلى القرب منها مدينة الصيمرة والشيروان ، وابن قتيبة من أهل الدينور ، وأبو حنيفة الدينوري اللغوي الإمام صاحب كتاب " النبات " . ديلمايا : موضع بالعراق على دجلة ، هو معبر سهل . وفي الخبر أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لما نزل بهرسير وهي المدينة الدنيا من المدائن طلب السفن ليعبر بالناس إلى المدينة القصوى منها ، فلم يقدر على شيء ووجد العجم قد ضموا السفن ، فأقاموا أياماً يريدونه على العبور فيمنعه الإبقاء على المسلمين ، ودجلة قد طما ماؤها يندفق جانباها ، فيروى أنه بينا سعد والمسلمون كذلك إذ سمعوا قائلاً يقول : يا معشر المسلمين ، هذه المدائن قد غلقت أبوابها وغيبت السفن وقطعت الجسور فما تنتظرون ، فربكم الذي يحملكم في البر هو الذي يحملكم في البحر ، فندب سعد الناس إلى العبور ، فأتاه قوم من العجم ممن اعتقد منه ذمة فقالوا : ندلك على موضع أقل غمراً من هذا ، فدلوه على ديلمايا . وقيل إن سعداً رأى رؤيا كأن خيول المسلمين اقتحمت دجلة فعبرتها وقد أقبلت من المد بأمر عظيم ، فعزم لتأويل رؤياه على العبور ، وفي سنة جود صيبها متتابع ، فجمع الناس ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : إن عدوكم قد اعتصم منكم بهذا البحر فلا تخلصون إليهم معه وهم يخلصون إليكم إذا شاءوا ، وليس وراءكم شيء تخافونه ، فقد كفاكم الله أهل الآثام وعطلوا ثغورهم ، ألا إني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم ، فقالوا جميعاً : عزم الله لنا ولكم على الرشد فافعل ، فقال : من يبدأ ويحمي لنا الفراض حتى يتلاحق به الناس لكيلا يمنعوهم الخروج ؟ فانتدب له عاصم بن عمرو أول الناس وانتدب معه ستمائة من أهل النجدات ، واستعمل عليهم عاصماً ، فسار فيهم حتى وقف على شاطئ دجلة ثم قال : من ينتدب معي لنمنع الفراض من عدوكم حتى يعبروا ؟ فانتدب له ستون فجعلهم نصفين على خيول إناث وذكور ليكون أسلس لعوم الخيل ، ثم اقتحموا دجلة واقتحم بقية الستمائة على أثرهم ، شدوا على خيولهم حزمها وأليافها وقرطوها أعنتها وشدوا عليهم أسلحتهم ، فلما رأتهم الأعاجم وما صنعوا أعدوا للخيل التي تقدمت خيلاً مثلها فاقتحموا إليهم دجلة فلقوا عاصماً في السرعان وقد دنا من الفراض ، فقال : الرماح ، الرماح ، أشرعوها وتوخوا العيون ، فالتقوا فاطعنوا في الماء ، وتوخى المسلمون عيونهم فتولوا نحو البر والمسلمون يشمسون بهم خيولهم حتى ما يملكون منها شيئاً ، فلحقوا بهم في البر فقتلوا عامتهم ونجا باقيهم عوران ، وجاءت بالمسلمين خيولهم حتى انتفضت على الفراض ، وتلاحق باقي الستمائة بأوائلهم الستين غير متعتعين ، وسميت هذه كتيبة الأهوال ، لما رئي منهم في الماء والفراض ، ولما رأى سعد رضي الله عنه عاصماً على الفراض وقد منعها أذن للناس ، وهذا الخبر مشروح بأكثر من هذا في حرف الميم في ذكر المدائن . الديبل : مدينة في جنوب البحر الفارسي ، وقيل هي في أرض السند ، ويقال لها أيضاً الديبلان ، وهي مدينة كثيرة الناس جداً ، جدبة الأرض قليلة الخصب ليس بها شجر ولا نخل ، وجبالها جرد عديمة النبات ، وأكثر بنيانهم بالطين والخشب ، وإنما سكنها أهلها بسبب أنها فرضة لبلاد السند وغيرها ، وتجارات أهلها من وجوه شتى وأسباب متفرقة ، وتقصدها أيضاً