محمد بن عبد المنعم الحميري
246
الروض المعطار في خبر الأقطار
وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي والمغيرة بن شعبة في ناس . فاستقر جميعهم بدومة الجندل ، فالتقى الحكمان ، فقال عمرو بن العاصي : يا أبا موسى ألست تعلم أن عثمان قتل مظلوماً ؟ قال : أشهد ، قال : ألست تعلم أن معاوية وآل معاوية أولياؤه ؟ قال : بلى ، قال : فإن الله عز وجل قال : " ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً " فما يمنعك من معاوية ولي عثمان يا أبا موسى وبيته في قريش كما قد علمت ، فإن تخوفت أن يقول الناس : ولى معاوية وليست له سابقة فإن لك في ذلك حجة ، وجدته ولي عثمان بن عفان المظلوم والطالب بدمه ، الحسن السياسة والتدبير ، وهو أخو أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، وكاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد صحبه فهو أحد الصحابة رضي الله عنهم . ثم عرض له عمرو بالسلطان فقال : والله إن ولي أكرمك كرامة لم يكرمها خليفة ، فقال له أبو موسى : يا عمرو اتق الله ، فأما ما ذكرت من شرف معاوية فإن هذا ليس على الشرف يولاه أهله ، ولو كان للشرف كان هذا الأمر إلى أبرهة بن الصباح ، إنما هو لأهل الدين والفضل ، مع إني لو كنت معطيه أفضل قريش شرفاً أعطيته علياً ، وأما قولك إن معاوية ولي دم عثمان فوله هذا الأمر فإني لم أكن لأوليه معاوية وأدع المهاجرين الأولين ، وأما تعريضك لي بالسلطان فوالله لو خرج لي من سلطانه ما وليته ولا كنت لأرشى في حكم الله عز وجل ، ولكن إن شئت أحيينا اسم عمر ، فقال له عمرو : إن كنت تحب بيعة ابن عمر فما يمنعك من ابني وأنت تعرف فضله وصدقه ؟ قال : إن ابنك رجل صدق ولكنك قد غمسته في هذه الفتنة . ثم قال أبو موسى : قد علمت أن أهل العراق لا يحبون معاوية أبداً وأن أهل الشام لا يحبون علياً أبداً فهلم فلنخلعهما معاً ونستخلف عبد الله بن عمر ، وكان عبد الله بن عمر مزوجاً على بنت أبي موسى ، قال عمرو : ويفعل ذلك عبد الله ؟ قال أبو موسى : نعم إذا حمله الناس على ذلك ، فصوب عمرو كل ما قاله أبو موسى وقال له عمرو : هل لك في سعد ؟ قال أبو موسى : لا ، وعد له عمرو جماعة وأبو موسى يأبى إلا صهره ابن عمر ، فقال له عمرو : أرأيت لو رضي أهل العراق بعبد الله بن عمر وأبى أهل الشام أتقاتل أهل الشام . قال أبو موسى : لا ، فقال عمرو : ولو رضي به أهل الشام وأبى أهل العراق أتقاتل أهل العراق ؟ قال أبو موسى : لا ، فقال : أما إذا رأيت الصلاح والخير في هذا للمسلمين فقم فاخطب الناس واخلع صاحبينا جميعاً ، وتكلم باسم هذا الذي تستخلف ، فقال أبو موسى : بل أنت قم فاخطب فأنت أحق بذلك ، فقال عمرو : ما أحب أن أتقدمك ، وما قولي وقولك للناس إلا واحد فقم راشداً ، فقام أبو موسى ، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : أيها الناس ، إنا نظرنا في أمرنا فرأينا أقرب ما يحضرنا في الصلاح ولم الشعث وحقن الدماء وجمع الألفة خلعنا علياً ومعاوية ، وقد خلعت علياً ومعاوية كما خلعت عمامتي هذه ، ثم أهوى إلى عمامته فخلعها ، واستخلفنا رجلاً قد صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه ، وصحب أبوه النبي صلى الله عليه وسلم فبرز في سابقته ، وهو عبد الله بن عمر ، وأطراه ورغب الناس فيه ثم نزل ، فقام عمرو فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : أيها الناس إن أبا موسى عبد الله بن قيس خلع علياً وأخرجه من الأمر الذي يطلب وهو أعلم به ، ألا وإني خلعت علياً معه وأثبت معاوية علي وعليكم ، وقد صحب معاوية النبي صلى الله عليه وسلم وصحب أبوه النبي صلى الله عليه وسلم فهو الخليفة علينا وله طاعتنا وبيعتنا على الطلب بدم عثمان ، فقام أبو موسى فقال : كذب عمرو ، لم نستخلف معاوية ولكنا خلعناه وعلياً جميعاً ، فقال عمرو : بل كذب عبد الله بن قيس قد خلع علياً ولم أخلع معاوية . وفي رواية : أن أبا موسى قال في خطبته : أيها الناس قد أجمعت أنا وصاحبي أن أخلع أنا علي بن أبي طالب ويعزل هو معاوية بن أبي سفيان ، ونجعل هذا الأمر لعبد الله بن عمر فإنه لم يخض في الفتنة ولم يغمس يده في دم مسلم ، ألا وإني قد خلعت علي بن أبي طالب كما أخلع سيفي هذا ، ثم خلع سيفه من عاتقه ثم جلس ، وقال لعمرو : قم ، فقام عمرو بن العاصي فقال : أيها الناس إنه قد كان من رأي صاحبي ما قد سمعتم ، وإنه أشهدكم أنه خلع علي بن أبي طالب كما يخلع سيفه وأنا