محمد بن عبد المنعم الحميري
241
الروض المعطار في خبر الأقطار
يا أمير المؤمنين كنت رجلاً جمالاً فلقيني رجل فقال : أتحملني إلى مكان كذا وكذا ، موضعاً في البرية ، قلت : نعم ، فلما حملته وسرنا بعض الطريق التفت إلي فقال لي : إن بلغنا الموضع الذي ذكرته لك وأنا حي أغنيك ، وإن مت قبل بلوغي إليه فاحملني إلى الموضع الذي أصف لك ، فإن ثم قصراً خراباً فإذا بلغته فامكث إلى ضحوة النهار ثم عد سبع شرافات من القصر واحفر تحت السابعة على قدر قامة فإنك ستظهر لك بلاطة فاقلعها ، فإنك سترى تحتها مغارة فأدخلها ، فإنك ترى في المغارة سريرين على أحدهما رجل ميت ، فاجعلني على أحد السريرين ومدني عليه وحمل جمالك هذه وحمارتك مالاً من المغارة وارجع إلى بلدتك . قال : فمات في الطريق ، ففعلت ما أمرني به ، وكان معي أربعة جمال وحمارة فأوسقتها كلها مالاً من المغارة وسرت بعض الطريق وكانت معي مخلاة فنسيت أن أملأها من ذلك المال وداخلني الشره ، فقلت : لو رجعت فملأت هذه المخلاة ، فرجعت وتركت الجمال والحمارة في الطريق فلم أجد المكان الذي أخذت منه المال ، فدرت فلم أعرف ، فلما يئست رجعت إلى الجمال والحمارة فلم أجدها ، فجعلت أدور في البرية أياماً فلم أجد لها أثراً ، فلما يئست رجعت إلى دمشق وقد ذهبت الجمال والحمارة فلم أحصل على شيء ، وألجأني الأمر إلى ما ترى يا أمير المؤمنين ، فها أنا أعمل كل يوم في التراب بدرهم فكلما تذكرت بكيت ، فقال له الوليد : لم يقسم الله لك في تلك الأموال شيئاً وإلي صارت فبنيت بها هذا المسجد . وفي غربي دمشق لأقل من ميل منها قصر الإمارة ، وهي مدينة مسورة ، ولها بابان كبيران يسمى أحدهما باب الربوة والثاني باب حوران ، وبينهما أبواب كثيرة تسمى الخوخات ، وفيها مسجد جامع متقن إلا أنه لا يبلغ إتقان مسجد المدينة الكبرى ، وفيها أسواق كثيرة ، وبين قصر الإمارة والمدينة بساتين وأنهار جارية ، وعلى قصر الإمارة قبة حمراء مشرفة ، ويحيط بقصر الإمارة نهر من جميع جوانبه ، وجبل اللكام جبل شاهق لاصق بمدينة دمشق ، وبينهما نهر عليه قنطرة لطيفة ، وهي تسقي بساتين الغوطة ، وثنية العقاب على مقربة من مدينة دمشق تسير من الثنية في قرى النصارى حتى تفضي إلى باب توما . والخضراء من دمشق كان ينزلها معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه . ومرابط أهل دمشق بيروت ، وهي مدينة على شاطئ البحر وفيها كان أبو الدرداء رضي الله عنه . وفتحت دمشق في زمان عمر رضي الله عنه سنة أربع عشرة بعد أن لقيتهم جموع الروم بمرج الصفر عند طاحونة المرج فهزمت الروم ، ويقال إن الطاحونة طحنت في ذلك اليوم من دمائهم وهرب هرقل إلى أنطاكية ثم إلى القسطنطينية . ولعبد الله بن أحمد الكاتب المعدل في ذكر دمشق ، أنشده ابن عساكر في كتابه : سقى الله ما تحوي دمشق وحياها * فما أطيب اللذات فيها وأهناها نزلنا بها فاستوقفتنا محاسن * يحن إليها كل قلب ويهواها لبسنا بها عيشاً رقيقاً رداؤه * ونلنا بها من صفوة العيش أعلاها ولم يبق فيها للمسرة بقعة * يفرح فيها القلب إلا نزلناها وكم ليلة نادمت بدر تمامها * تقضت وما أبقت لنا غير ذكراها فآهاً على ذاك الزمان وطيبه * وقل له من بعده قولتي آها فيا صاحبي إما حملت تحيتي * إلى دار أحباب لنا طاب مغناها فقل ذلك الوجد المبرح ثابت * وحرمة أيام الهوى ما أضعناها فإن كانت الأيام أنست عهودنا * فلسنا على طول المدى نتناساها سلام على تلك المحاسن إنها * محط صبابات النفوس ومثواها رعى الله أياماً تقضت بقربها * فما كان أهناها لدينا وأمراها