محمد بن عبد المنعم الحميري

239

الروض المعطار في خبر الأقطار

سارية وثماني أرجل جصية واثنتان مرخمة ملتصقة معها في الجدار الذي يلي الصحن ، وأربع أرجل مرخمة أبدع ترخيم مرصعة بفصوص الرخام ملونة قد نظمت خواتيم وصورت محاريب وأشكالاً غريبة قائمة في البلاط الأوسط ، دور كل رجل منها اثنان وسبعون شبراً ، ويستدير بالصحن بلاط من ثلاث جهات : الشرقية والغربية والشمالية ، وسعة الصحن حاشا المسقف القبلي والشمالي مائة ذراع ، وعدد شمسيات الجامع الزجاجية المذهبة الملونة أربع وسبعون . وفي الجامع ثلاث مقصورات : مقصورة الصحابة رضي الله عنهم وهي مقصورة معاوية رضي الله عنه ، هو أول من وضعها وبإزاء محرابها باب حديد كان يدخل منه معاوية إلى المقصورة ، وبإزاء محرابها مصلى أبي الدرداء رضي الله عنه وخلفها كانت دار معاوية رضي الله عنه ، وهو اليوم سماط عظيم للصفارين بطول جدار الجامع القبلي . وفي الجامع عدة زوايا يتخذها الطلبة للنسخ والدرس والانفراد عن ازدحام الناس ، وهي من جملة مرافق الطلبة . وفي الجدار المتصل بالصحن المحيط بالبلاطات القبلية عشرون باباً قد علتها قسي جصية كلها مخرمة على شبه الشمسيات . وللجامع ثلاث صوامع : واحدة في الجانب الغربي وهي كالبرج المشيد تحتوي على مساكن متسعة وزوايا فسيحة يسكنها أقوام من الغرباء أهل الخير ، وبها كان معتكف أبي حامد الغزالي ، وثانية بالجانب الغربي ، ، وثالثة بالجانب الشمالي . وللجامع مال عظيم من خراجات ومستغلات تنيف على الثمانية آلاف دينار في السنة . وكان هذا الجامع ظاهراً وباطناً منزلاً كله بالفصوص المذهبة مزخرفاً بأبدع زخارف البناء فأدركه الحريق مرتين فتهدم وجدد وذهب أكثر رخامه واستحال رونقه . ومحرابه من أعجب المحاريب الإسلامية حسناً وغرابة صنعة يتقد ذهباً كله قد قامت في وسطه محاريب صغار ، وفي الركن الشرقي من المقصورة الحديثة في صف المحراب خزانة كبيرة فيها مصحف عثمان الذي وجه به إلى الشام ، وتفتح الخزانة كل جمعة إثر الصلاة فيتبرك الناس بلمسه وتقبيله ، ويكثر الزحام عليه . وهناك مشهد كبير حفيل كان فيه رأس الحسين بن علي رضي الله عنهما ثم نقل إلى القاهرة . وعن يمين الخارج من باب جيرون غرفة لها هيئة طاق كبير مستدير فيه طيقان صفر وقد فتحت أبواباً صغاراً على عدد ساعات النهار ودبرت تدبيراً هندسياً ، فعند انقضاء ساعة من النهار سقطت صنجتان من صفر من فمي بازيين مصورين من صفر قائمين على طاس صفر تحت كل واحد منهما ، أحدهما تحت أول باب من تلك الأبواب والثاني تحت آخرها ، والطاستان مثقوبتان . ويستدير بالجامع أربع سقايات في كل جانب سقاية ، واحدة منها كالدار الكبيرة محدقة بالبيوت والماء يجري في كل بيت ، وإحدى هذه السقايات في دهليز باب جيرون وهي أكبرها ، فيها من البيوت نيف على ثلاثين ، والبلد كله سقايات قل ما تخلو سكة من سككه أو سوق من أسواقه من سقاية . قالوا : ورأس يحيى بن زكريا عليهما السلام مدفون بالجامع في البلاط القبلي قبالة الركن الأيمن من المقصورة الصحابية ، وعليه تابوت خشب معترض من الأسطوانة إلى الأسطوانة ، وفوقه قنديل كأنه من بلور مجوف كالقدح الكبير . وفي الجهة الشمالية من البلد وعلى مقدار فرسخ منه غار مستطيل ضيق قد بني عليه مسجد كبير مرتفع مقسم على مساجد كثيرة كالغرف المطلة ، وعليه صومعة عالية ، ومن ذلك الغار رأى إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم الكوكب ثم القمر ثم الشمس حسبما ذلك مذكور في الكتاب العزيز ، ذكر ذلك ابن عساكر . وهناك مغارة صلى فيها إبراهيم وموسى وعيسى ولوط وأيوب صلوات الله وسلامه عليهم . ولكل مشهد من تلك المشاهد أوقاف معينة . وهناك الربوة المباركة التي أوى إليها المسيح عليه السلام وأمه ، وهناك بيت يقال إنه مصلى الخضر ، وهذه الربوة رأس بساتين البلد ومنها ينقسم الماء على سبعة أنهار ولهذه الربوة أوقاف من بساتين وأرض بيضاء . وبغربي البلد جبانة تعرف بقبور الشهداء فيها كثير من الصحابة والتابعين والأئمة الصالحين ، فمنها قبر أبي الدرداء