محمد بن عبد المنعم الحميري

235

الروض المعطار في خبر الأقطار

ويتصل بعد ذلك بجبال طرابلس ثم يرق هنالك ويخفى أثره ، ويقال إن هذا الجبل يصل إلى البحر حيث الطرف المسمى بأوثان . وفي كل هذا الجبل كل طريفة من الثمار وغرائب الأشجار والماء يطرد فيه ، ويوجد بوسطه وحوافيه النبات مخضراً في كل الأزمان ، وفي أعلاه جمل من قلاع وحصون تنيف على السبعين حصناً ، ومنها الحصن المنيع القليل مثله في حصون الأرض بنية وتحصيناً ومنعة ، وهو في أعلى الجبل حتى إن أربعة رجال يمسكونه ويمنعون الصعود إليه لأن الصعود إليه ، من مكان ضيق وعر المرتقى لا ترتقي إليه دابة إلا بعد جهد ومشقة اسمه تامللت ، وهو كان عمدة الإمام المهدي حين ظهر بالمغرب وهو الذي زاد في تحصينه وجعله مدخراً لأمواله ، وبه الآن قبره ، وعليه بناء متقن كالقبة العالية . وفي هذا الجبل من الفواكه : التين الطيب المتناهي في الطيب البالغ في الحلاوة ، والعنب العسلي والجوز واللوز ، ومن السفرجل والرمان ما يباع منه الحمل بقيراط لكثرته ، وبه الإجاص والكمثرى والمشمش والأترج والقصب الحلو ، وهم لا يتبايعونه بينهم لكثرته ، وشجر الزيتون والخرنوب وسائر الفواكه ، وبه الشجر المسمى آركان ويعصر منه دهن كثير جداً ، وهم يستعملونه كثيراً وبه الصنوبر والأرز والبلوط . وهذا الجبل معترض في الصحراء ، ويقال إنه أكبر جبال الدنيا وإنه متصل بجبل المقطم الذي ببلدة مصر وفيه قبائل كثيرة من المصامدة ، ويقال إنهم من العرب دخلوا تلك البلاد وسكنوا تلك الشعاب في الفتنة الواقعة عند هزيمة ميسرة التي تسمى غزوة الأشراف فكان البربر يطلبون العرب فتوغلوا في تلك الجبال وتناسلوا . فهم أهلها على الحقيقة ، وفي الجبل من المصامدة أمم لا تحصى ، وأكثر عيشهم من العنب والزبيب والرب وهم لا يستغنون عن شربه لشدة برد الجبل وثلجه ، وخلفه بلد السوس . قال البكري : وهو متصل بجبل أوراس وبجبل نفوسة المجاور لطرابلس . قال : وتسير في هذا الجبل إلى موضع يقال له الملاحة ، وفي أعلى الجبل نهر عظيم كبير والجبل كثير الأشجار . قال بعضهم : هذا الجبل فاصل بين الصحراء والساحل ، ومنه ينفجر كل نهر هناك ، وهم يختلفون في تسميته فأهل فاس وسجلماسة يسمونه درن كما وقع ذلك للمعتمد إذ رآه حين صير إلى تلك البلاد فقال : هذي جبال درن * قلبي بها ذو درن يا ليتني لم أرها * وليتها لم ترني والمصامدة ونول لمطة يسمونه جشكو ، وهوارة يسمونه أوراس ، ومما ينفجر منه نهر نفيس ووادي أغمات وغيرهما . دروقة : مدينة بالأندلس من عمل قلعة أيوب عظيمة في سفح جبل ، وعلى مقربة منها كنيسة أبرونية لها ثلاثمائة باب وستون باباً ، وهي من إحدى عجائب البنيان . وقيل بين دروقة وبين قلعة أيوب ثمانية عشر ميلاً ، وهي مدينة صغيرة متحضرة كبيرة العامر كثيرة البساتين والكروم ، وكل شيء بها كثير رخيص ، وبينها وبين سرقسطة خمسون ميلاً . درعة : بالمغرب في جهة سجلماسة ، وإنما تعرف درعة بواديها فإنه نهر كبير يجري من المشرق إلى المغرب وينبعث من جبل درن ، وعليه عمارة متصلة نحو سبعة أيام ، وهي مدينة عامرة آهلة بها جامع وأسواق حافلة كثيرة ومتاجر رائجة ، ولها يوم الجمعة سوق في مواضع كثيرة ، وقديماً كان سوقان في يوم واحد في المواضع المتباينة ، وهي في شرف من الأرض والنهر منها بقبليها ، وجريه من المشرق إلى المغرب ، ويهبط لها من ربوة حمراء وعليه الجنات الكثيرة فيها جميع الفواكه من النخل والزيتون وغيرهما ، والحناء بدرعة كثير ، ومنها يجلب إلى جميع البلاد لطيبها ، ولها مزية في البيع على سواها ، وشجر الحناء بها كثير كبير يحتمل أن يرقى الراقي إليها . وبوادي درعة شجر التاكوت ، وهو شجر يشبه الطرفاء