محمد بن عبد المنعم الحميري

223

الروض المعطار في خبر الأقطار

من ناحية المشرق ، وهو جبل أحمر محجر فيه صخرة كبيرة بيضاء كأنها معلقة ، وفيه تحصن أهل مكة يوم القرمطي . وكان رجل من قريش يعد سلاحاً فقالت له امرأته : لمن تعد هذا . قال : لمحمد وأصحابه ، فقالت : ما أرى يقوم لمحمد وأصحابه شيء ، قال : إني لأرجو أن أخدمك بعض نساء يثرب ، وكانت تسر إسلامها ، وقال : إن يقبلوا اليوم فمالي عله هذا سلاح كامل وأله وذو غرارين سريع السلة وقالت : كأني بك جئت تطلب مختبأ اختبئك فيه لو قد رأيت خيل محمد ولما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح أقبل إليها فقال : ويحك هل من مختبأ ؟ فقالت له : فأين الخادم . فقال : دعيني عنك ، وأنشد : إنك لو أبصرت يوم الخندمه إذ فر صفوان وفر عكرمة وضربونا بالسيوف المسلمة يقطعن كل ساعد وجمجمه لم تنطقي في اللوم أدنى كلمة الخضراء : مدينة بالمغرب بقرب مليانة ، وهي مدينة جليلة كثيرة البساتين ولذلك سميت الخضراء ، وهي على نهر إذا حمل دخل بعضها والأظهر أنه شلف لأنه بمقربة منها . وهي مدينة صغيرة حصينة ، وبها عمارات متصلة وكروم وبها من السفرجل كل شيء حسن ، وبها سوق وحمام ، وسوقها يجتمع إليه أهل تلك الناحية ، ومنها إلى مليانة مرحلة . والخضراء أيضاً بالأندلس ، وهي الجزيرة الخضراء ويقال لها جزيرة أم حكيم ، وهي جارية طارق بن زياد مولى موسى بن نصير ، كان حملها معه فتخلفها بهذه الجزيرة فنسبت إليها ، وعلى مرسى أم حكم مدينة الجزيرة الخضراء ، وبينها وبين قلشانة أربعة وستون ميلاً ، وهي على ربوة مشرفة على البحر ، سورها متصل به ، وبشرقيها خندق وغربيه أشجار تين وأنهار عذبة ، وقصبة المدينة موفية على الخندق وهي منيعة حصينة سورها حجارة وهي في شرقي المدينة ومتصلة بها ، وبالمدينة جامع حسن البناء فيه خمس بلاطات وصحن واسع وسقائف من جهة الجوف ، وهو في وسط المدينة في أعلى الربوة ، وأسواقها متصلة من الجامع إلى شاطئ البحر ، وعلى البحر بين القبلة والشرق من مدينة الجزيرة مسجد سري يعرف بمسجد الرايات ركزت فيه المجوس راياتها فنسب إليها وله باب من خشب سفن المجوس ، وبها كان دار صناعة بناها عبد الرحمن بن محمد أمير المؤمنين للأساطيل وأتقن بناءها وعالي أسوارها ثم اتخذها المنتزون بها في الفتنة قصراً . وبغربي المدينة مدخل الوادي في البحر عليه بساتين كثيرة ، ومهبطه من حيث تدخله السفن ، ومنه شرب أهل الجزيرة ويسمونه وادي العسل ، ويمده البحر إلى قدر شطر المدينة ، وهو نحو نصف ميل ، وتجاهه أثر مدينة الجلندي الملك صاحب قرطاجنة إفريقية بقبلي مدينة الجزيرة ، وهي اليوم خربة تزدرع ، وبها حائط عريض مبني بالحجارة داخل البحر ، ومن هذا الحائط كانت تشحن المراكب وبنى عليه محمد بن فلان برجاً . ومدينة الجزيرة طيبة رفيقة بأهلها جامعة لفائدة البر والبحر ، قريبة المنافع من كل وجه لأنها وسطى مدن الساحل وأقرب مدن الأندلس مجازاً إلى العدوة ، ومنها تغلب ملوك الأندلس على ما تغلبوا عليه من بلاد إفريقية ، ولها ثلاث حمامات ، ولها كور كثيرة وكانت جبايتها ثمانية عشر ألفاً وتسعمائة . وأهل الجزيرة هذه هم الذين أبوا أن يضيفوا موسى والخضر عليهما السلام ، وبها أقام الخضر الجدار وخرق السفينة ، والجلندي هو الذي كان يأخذ كل سفينة غصباً ، حكي ذلك عن وكيع بن الجراح . ومرسى الجزيرة مشتى مأمون وهو أيسر المراسي للجواز وأقربها من بر العدوة ويحاذيه مرسى مدينة سبتة ويقطع البحر بينهما في ثلاثة مجار ويتلوه جبل طارق .