محمد بن عبد المنعم الحميري
186
الروض المعطار في خبر الأقطار
لا يستطيع أحد أن ينزله إلا متوقياً على رجليه من تلك الحجارة ، وماؤه بقدر ما يدير خمسين رحى ، وهي متجر خراسان وسجستان ، وهي ذات نخل وأشجار ، والغالب عليها من الأشجار السلم واللوز والأترج وفيها شجر يقال له جم ، وهي كشجرة الجوز أصلاً وورقاً وأغصاناً وثمرها ثمر يعرف بثمر جم له نوى مثل نوى التمر ، وهو شبيه به في القدر إلا أنه عفص ، وليس له طلع كطلع النخلة ولكن عناقيد كعناقيد الكرم ، وهو أجود شيء للمبطونين ، وفيها أشجار السيسبان والقرظ والحنا والداذي ، فأما السيسبان فيشبه ورق السفرجل وحمله مثل عناقيد العنب وله لزوجة مثل الخطمي إذا كان رطباً . وأما الحنا فهي شبيهة بالآس ولها فواغ فإذا كنت على مقدار عشرة أذرع إلى عشرين وجدت منها رائحة عطرة طيبة ، فإذا قربت منها لم تجد لها رائحة وأما الداذي فيشبه شجره الدفلى وهي قضبان مستوية تعلو خمس أذرع إلا أن أصله واحد ، ومن أسفل الغصن إلى أعلاه أوراق متحاذية على السواء وقد اكتنفت جانبي الغصن ، كل ورقة بمقدار الأنملة ، فإذا كانت أيام الربيع وقع من أعلى كل ورقة نور أحمر وهو حسن المنظر جداً وقيل الداذي يشبه ورقه ورق الصبر ، وله طلع كطلع النخل ، ورائحته لا يقدر أحد أن يشمه من حدتها وذكائها ، وترعف على المكان شدة حرارتها ، ولكن يوضع في البيت فتعبق رائحته من جميع البيت ويعبق ما فيه من الثياب . وبجيرفت في كل شهر غلة حديثة من الحنطة والشعير والأرز والسمسم وسائر الحبوب وضروب الثمار وقصب السكر ومعاصر يعمل فيها الفانيذ ، وحرها شديد مؤذ إلا أن الثلج بها موجود يحمل إليها الثلج من جبال البارز . وجيرفت من بناء شاهدار بنت المرزبان ، ورثت المرزبة عن أبيها وزوجت نفسها من بعض قراباتها ، وهي جيرفت بفتح الجيم وبالراء المهملة بعدها فاء وتاء معجمة باثنتين من فوقها ، وبجيرفت اختلفت كلمة الخوارج وقاتل بعضهم بعضاً . جيرون : بفتح الأول وإسكان الثاني بعده راء مهملة ، هي مدينة دمشق . قالوا : نزل جيرون بن سعد بن عاد دمشق وبنى مدينتها فسميت باسمه ، وهي إرم ذات العماد عندهم ، فيقال إن بها أربعمائة ألف عمود من حجارة ، وقال الشاعر : طال ليلي فبت كالمحزون * ومللت الثواء في جيرون وقال آخر : القصر فالنخل فالجماء بينهما * أشهى إلى القلب من أبواب جيرون وسنذكر مدينة دمشق في موضعها إن شاء الله تعالى . ويقال إن إبراهيم الخليل عليه السلام دفن في جيرون من أرض الكنعانيين في مزرعة اشتراها إبراهيم وفيها دفنت سارة وإسحاق عليهما السلام ، وموضع قبورهم مشهورة على ثمانية عشر ميلاً من بيت المقدس في مسجد هناك يعرف بمسجد إبراهيم عليه السلام . جيزك : من مدن اشروسنة في مستو من الأرض ، وهي في أسفل أرض أشروسنة وبها رباط أهل سمرقند وهي متحضرة متوسطة المقدار بها ماء جار وبساتين ، ولها رستاق وبها عمارات . جي : بفتح أوله وتشديد ثانيه مدينة بأصبهان ويقال إنها إحدى المدن التي بنى الإسكندر ، وكان أجل ملوك الأرض ، ويقال إنه ذو القرنين المذكور في القرآن ، وبلغ مشارق الأرض ومغاربها وله في كل إقليم أثر فبنى بالمغرب الإسكندرية وبخراسان العليا سمرقند ومدينة الصغد ، وبخراسان السفلى مرو وهراة ، وبناحية الجبل جي ومدينة أصبهان ، وبنى مدناً كثيرة في نواحي الأرض ، وجال الدنيا كلها ووطئها فلم يختر منها منزلاً سوى المدائن فنزلها ، وبنى بها مدينة عظيمة ، وجعل عليها سوراً أثره باق ، وهي التي تسمى الرومية في جانب دجلة الشرقي ، ولم تزل مستقره حتى مات بها وحمل منها ودفن بالإسكندرية لمكان والدته فإنها كانت باقية هناك .