محمد بن عبد المنعم الحميري
13
الروض المعطار في خبر الأقطار
واحتل أهلك أجياداً فليس لنا * إلا التذكر أو حظ من الحزن وتفاخر رعاء الإبل ورعاة الغنم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأوطاهم رعاء الإبل غلبة وقالوا : ما أنتم يا رعاء النقد هل تخبون أو تصيدون ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : بعث موسى وهو راعي غنم وبعث داود وهو راعي غنم وبعثت وأنا راعي غنم أهلي بأجياد . فغلبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم . وبأجياد نزل السميدع بقطورا في الزمن الأقدم وكان يعشر من دخل مكة من أسفلها ، قالوا : سمي بذاك لخروج جياد الخيل مع السميدع حين قاتل عمرو بن مضاض الجرهمي في خبر مشهور . الأجم : قصر الأجم هو المعروف بقصر الكاهنة وبينه وبين المهدية من البلاد الإفريقية ثمانية عشر ميلاً ، وذكر أن الكاهنة حصرها عدوها في هذا القصر فحفرت سرباً في صخرة صماء من هذا القصر إلى مدينة سلقطة يمشي فيه العدد الكثير من الخيل وبينهما ثمانية عشر ميلاً ، ويقال إن أخت الكاهنة كانت في سلقطة فكان الطعام يجلب إليها في ذلك السرب على ظهور الدواب ، وهذا القصر عجيب البنيان قد أحكم بحجارة طول الواحد منها ستة وعشرون شبراً ، وارتفاع القصر في الهواء أربع وعشرون قامة ، وهو من داخله كله مدرج إلى أعلاه ، وأبوابه طاقات بعضها فوق بعض . وكان عبد الله بن سعد بن أبي سرح لما بعثه عثمان إلى إفريقية غازياً لقي جرجير صاحب سبيطلة ، وقاتله فقتله عبد الله بن الزبير وشن الغارات على سبيطلة ، وأصاب الروم رعب شديد ، ولجأوا إلى الحصون والقلاع ، فاجتمع أكثر الروم بقصر الأجم فطلبوا من عبد الله بن سعد أن يأخذ منهم ثلاثمائة قنطار من ذهب على أن يكف عنهم ويخرج من بلادهم ، فقبل ذلك منهم وقبض المال ، وكان في شرطه ان ما أصاب المسلمون قبل الصلح فهو لهم وما أصابوه بعد الصلح ردوه لهم . أحد : جبل بظاهر مدينة النبي صلى الله عليه وسلم في شمالها على مقدار ستة أميال وهو أقرب الجبال إليها ، وهو مطل على أرض فيها مزارع وضياع كثيرة لأهل المدينة ، وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم : " هذا جبل يحبنا ونحبه " . ولما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى غزوة أحد نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي إلى الجبل ، فجعل عسكره وظهره إلى أحد ؛ قيل سمي بهذا الاسم لتوحده وانقطاعه عن جبال أخر هنالك ؛ قيل : أراد بقوله صلى وسلم الله عليه " يحبنا ونحبه " أهله وهم الأنصار ، وقيل : لأنه كان ينشرح إذا رآه عند قدومه من أسفاره بالقرب من أهله ولقائهم وذلك فعل المحب ؛ وقيل : بل حبه حقيقة وضع الحب فيه كما وضع التسبيح في الجبال المسبحة مع داود عليه السلام وكما وضعت الخشية في الحجارة التي قال الله تعالى فيها " وإن منها لما يهبط من خشية الله " وفي بعض الآثار المسندة أن أحداً يوم القيامة عند باب الجنة من داخلها ، وفي بعضها أنه ركن لباب الجنة . وعند أحد كانت الوقعة بين النبي صلى الله عليه وسلم وقريش في سنة ثلاث في شوال بعد بدر بسنة ، حضرها من المسلمين ستمائة رجل وكانت قريش في ثلاثة آلاف فيهم سبعمائة دارع ، وقتل فيها حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم ، قتله وحشي ، وحكى وحشي بعد أن أسلم ، قال : جئت فشهدت شهادة الحق عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " اجلس فحدثني " ، فحدثته كيف قتلت حمزة ، فقال : " غيب وجهك عني فلا أراك " ، وفي قصة أحد نزلت الآيات من سورة آل عمران " وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال " إلى آخر الآيات ، ووقف النبي صلى الله عليه وسلم على حمزة رضي الله عنه ، وقد مثل به ، فقال صلى الله عليه وسلم : " لولا جزع النساء لتركته حتى يحشر من حواصل الطير وبطون السباع فيكون أعظم لأجره وأفضل لدرجته في الجنة " ثم بكى حتى اغرورقت عيناه وأخضلت لحيته من دموعه ، وبكى الناس لبكائه وكثر الضجيج ، فهبط جبريل عليه الصلاة والسلام فعزاه به وقال : يا محمد قد بكى لبكائك أهل السماوات ولعنوا قاتل عمك ، والله عز وجل يقول " وللآخرة خير لك من الأولى " و " العاقبة للمتقين " ، فاسترجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أمر بالقتلى فجعل يصلي عليهم وجعل يضع تسعة وحمزة فيكبر عليهم سبع تكبيرات ثم يرفعون ويترك حمزة رضي الله عنه ، ثم يجاء بتسعة