محمد بن عبد المنعم الحميري
165
الروض المعطار في خبر الأقطار
فإن أبا عبيدة قد أحيط به ، وكتب إليه : سرح سهيل بن عدي إلى الجزيرة في الجند وليأت الرقة فإن أهل الجزيرة ثم استطاروا الروم على أهل حمص ، فمضى القعقاع في أربعة آلاف من يومهم الذي أتاهم فيه الكتاب ، ولما بلغ أهل الجزيرة الذين أعانوا الروم على أهل حمص أن الجنود قد خرجت من الكوفة تفرقوا في بلدانهم خوفاً عليها وخلوا الروم ، فقالوا فيما بينهم : إنكم بين أهل العراق وأهل الشام فما بقاؤكم على حرب هؤلاء ؟ فرغبوا في الصلح ، فقبل منهم وهم أهل الرقة ونصيبين وحران وكلهم دخلوا على الجزية ، فكانت الجزيرة أسهل البلدان أمراً . وقال في ذلك سهل بن عدي : فضاربنا العداة غداة سرنا * إلى أهل الجزيرة بالعوالي ولم نثن الأعنة حين سرنا * بجرد الخيل والأسل النهال وأجهضنا الأولى ثاروا بحمص * وقد منوا أماني الضلال أخذنا الرقة البيضاء لما * رأينا الشهر لوح بالهلال وأزعجت الجزيرة بعد خفض * وقد كانت تخوف بالزوال وصار الخرج صافيه إلينا * بأكناف الجزيرة عن قتال والجزيرة أيضاً بالأندلس ، وتعرف بالجزيرة الخضراء وسيأتي الكلام عليها في حرف الخاء المعجمة إن شاء الله تعالى . وفي قبلي تونس من إفريقية جزيرة شريك العبسي وكان عاملاً عليها ، وأم أقاليمها مدينة باشو ، وهي عمل كبير محتو على بلاد وقرى وأنظار كثيرة . وكذلك أعمال صطفورة ، وتعرف الآن ببنزرت ، من جملة كورها عمل الجزيرة ، ويقال جزيرة بنزرت لإحاطة البحر بها ولها أيضاً كور وأقاليم وبلاد وأعمال . جزيرة القرود : بالقرب من جزيرة الرانج وبمقربة من أرض الحبشة ، وهي جزيرة كبيرة فيها غياض وشجر وجراف منيعة وبها أنواع من التمر ، والقرود بهذه الجزيرة كثيرة تتولد وتتزايد حتى إنها قد تغلبت على هذه المدينة لكثرتها ، ويقال إن لها أميراً تنقاد إليه وتحمله على أعناقها ويحكم عليها حتى لا يظلم بعضها بعضاً ، وألوان هذه القرود إلى الحمرة ، وهي ذات أذناب ولها ذكاء وحدة فهم ، وإذا انكسر على جزيرتها مركب أو لجأ إليها أحد من الناس عذبته عذاباً بليغاً بالعض والرجم بالقاذورات وعبثت بمن سقط في أيديها عبثاً عظيماً وربما قتلته سرعاً ، وقد يتصيدها الناس ويخرجونها إلى بلاد اليمن فتباع بالثمن الكثير ، وتجار اليمن يتخذونها في حوانيتهم حراساً كالعبيد تحرس أمتعة مواليها فلا يقدر أحد على خدعتها ولا على أخذ شيء مما بأيديها لما هي عليه من نهاية الذكاء . جزيرة السامري : في بحر القلزم ، ويسكنها قوم من اليهود السامرية ، وعلامتهم أن يقول أحدهم إذا لاقى إنساناً : لا مساس ، وبهذه اللفظة يعرف أنهم من اليهود المنسوبين إلى السامري صاحب العجل في زمن موسى عليه السلام . وفي هذا البحر من السمك حوت مربع عرضه قريب من طوله ، وربما بلغ الواحد منه قنطاراً وهو حوت أحمر شهي الطعم حسن الذوق لا سهك فيه ، وفيه سمك آخر طوله شبر ونصف له رأسان : رأس في موضع رأسه ورأس في موضع ذنبه ، وفي كل واحد من هذين الرأسين عينان وفم ، وتصرفه في البحر يكون مرة إلى هاهنا ومرة إلى هاهنا ، إلى أمام وإلى خلف ، ويسمى هذا السمك الخنجر ، وفيه سمك يقال له القرش ، هو نوع من كلاب البحر ، في فمه سبعة صفوف أضراس ، فيه ما طوله عشرة أشبار وأكثر وأقل ، ومراكب هذا البحر كلها مؤلفة بالدسر ، محررة بحبال