محمد بن عبد المنعم الحميري
162
الروض المعطار في خبر الأقطار
لقيت أمير المؤمنين شافهته بالمال فلا ينعقد عليك ما ينعقد ، فأبى يزيد وأمضى الكتاب ومات سليمان قبل أن يصل إليه الكتاب ، وطولب يزيد بعد ذلك بالمال ، وكأن الذي أشار عليه رأى الغيب من ستر رقيق . وكرز من أهل جرجان أزهد الناس في زمانه حتى قال سفيان بن عيينة : لو كان أحد يكتفي بالتراب قوتاً لاكتفى به كرز ، وقبره بجرجان يزار ويقصد ، وقال الشاعر : لو شئت كنت ككرز في تعبده * أو كابن طارق حول البيت والحرم قد حال دون لذيذ العيش خوفهما * وسارعا في طلاب الفوز والكرم والقاضي الجرجاني هو أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني قاضي القضاة بالري ، وهو صاحب الأبيات المشهورة الشريفة : يقولون لي فيك انقباض وإنما * رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما إذا قيل هذا منهل قلت قد أرى * ولكن نفس الحر تحتمل الظما ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي * لأخدم من لاقيت لكن لاخدما أأغرسه عزاً وأجنيه ذلة * إذاً فاتباع الجهل قد كان أحزما ولو أن أهل العلم صانوه صانهم * ولو عظموه في النفوس لعظما ولكن أهانوه فهان ودنسوا * محياه بالأطماع حتى تجهما الجرجانية : هي المدينة الكبرى والقاعدة العظمى من خوارزم ، وهي مدينتان على ضفة النهر يجاز بينهما بالمراكب ، واسم المدينة الشرقية منها درغاش والمدينة الغربية هي الجرجانية ، وهي كبيرة عامرة ذات أسواق وربض وسور محيط بالربض ، والمدينة طولها نحو من تسعة أميال في مثلها ، وهي متجر الغزية ، ومنها يخرج الرفاق إلى أرض جرجان وكانت تخرج إلى الخزر على مر الأيام وإلى سائر بلاد خراسان . قالوا : ومرو ونيسابور وبلخ مع عظم كل واحدة من هذه تقصر عن الجرجانية بانفرادها وانها كانت سرير السلطان الأعظم صاحب الأقاليم السلطانية ورب العساكر الكثيفة خوارزم شاه . ونزل عليها الططر سنة ثمان عشرة وستمائة وكان بها حينئذ عسكر جليل وأمراء مشهورون فحاصروها الحصار الشديد ، فدام عليها الحصار المتصل خمسة أشهر ، وقتل من الفريقين خلق عظيم ، فأرسل الططر المحاصرون إلى خاقانهم وهو مشغول بثقاف خراسان فأمدهم بعشرين ألف مقاتل ، وقاتلهم أهل الجرجانية قتالاً شديداً حتى ظهر في ذلك النساء والصبيان ، إلى أن ملك الططر المدينة وقتلوا فيها كل ذي روح ، وقيل لهم إن الناس اختفوا في سراديب وأماكن غامضة ففتحوا سكر جيحون وغرقوا المدينة بذلك النهر الأعظم ، وتركوا موضعها أجمة فما نجا من أهلها أحد ، ومن ذلك الحين عدل جيحون عن الصب في بحيرة خوارزم وسلك غير طريقه في الرمال إلى أن صير في بحر طبرستان بساحل دهستان . جرباذقان : مدينة في داخل المشرق ، ذكرها السلفي في الأربعين البلدانية . جراوة مكناسة : مدينة في سهل من الأرض وكان عليها سور مبني بالطوب ، وداخلها قصبة ، وحولها أرباض من جميع جهاتها وعيون متفجرة ، وداخلها آبار عذبة وخمسة حمامات أحدها ينسب إلى عمرو بن العاصي رضي الله عنه ، وجامع من خمس بلاطات على أعمدة حجارة . وأسسها أبو العيش عيسى بن إدريس بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن حسن بن حسن سنة تسع وخمسين ومائتين ، وكان لها بابان شرقيان وثالث غربي ورابع